<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري &#187; مقالات</title>
	<atom:link href="https://alkhaderi.com/category/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://alkhaderi.com</link>
	<description>الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالعزيز الخضيري</description>
	<lastBuildDate>Thu, 11 Jun 2015 07:22:24 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=4.2.38</generator>
	<item>
		<title>منهج القران في استدلاله على إمكان البعث</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a5%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b9/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a5%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b9/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 21:56:43 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=352</guid>
		<description><![CDATA[نهج القران الكريم في استدلاله على إمكان البعث وتحقق وقوعه منهجا قويما يجمع بين ما فطرت عليه النفوس من الإيمان بما تشاهد وتحس ويقع منه تحت تأثير السمع والبصر وبين ما تقرره العقول السليمة ولا يتنافى مع الفطر المستقيمة، وتلك الطريقة تميز بها القرآن الكريم مما لا تجده في كتب الحكمة النظرية.وكان منهج القرآن ن...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>نهج القران الكريم في استدلاله على إمكان البعث وتحقق وقوعه منهجا قويما يجمع بين ما فطرت عليه النفوس من الإيمان بما تشاهد وتحس ويقع منه تحت تأثير السمع والبصر وبين ما تقرره العقول السليمة ولا يتنافى مع الفطر المستقيمة، وتلك الطريقة تميز بها القرآن الكريم مما لا تجده في كتب الحكمة النظرية.وكان منهج القرآن ن في استدلاله على البعث كما يلي:</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">أولا: الاستدلال على البعث بمن أماتهم الله ثم أحياهم،</span></strong> كما اخبر الله &#8211; تعالى &#8211; عن ذلك ومنهم:</p>
<p><span style="color: #993300;">1-</span> قوم موسى قال &#8211; تعالى -: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وانتم تنظرون ثم بعثنا كم من بعد موتكم لعلكم تشكرون).</p>
<p><span style="color: #993300;">2-</span> المضروب بعضو من أعضاء البقرة كما قال &#8211; تعالى -: (وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون). قيل إن المقتول ضرب بعضو من أعضاء تلك البقرة التي أمرهم الله إن يذبحوها كما قال موسى لهم (إن الله يأمركم إن تذبحوا بقرة) فلما ضرب به حيي واخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان.</p>
<p><span style="color: #993300;">3-</span> الذين اخبر الله عنهم بقوله &#8211; تعالى -: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم).<br />
وهؤلاء قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ففروا هاربين، قال ابن عباس: &#8221; كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا ليس بها موت فأماتهم الله &#8211; تعالى &#8211; فمر بهم نبي فدعا الله فأحياهم &#8221;</p>
<p><span style="color: #993300;">4-</span> (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال آني يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعله آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم إن الله على كل شيء قدير).</p>
<p><span style="color: #993300;">5-</span> سؤال إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; عن كيفية أحياء الموتى، قال &#8211; تعالى -: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم إن الله عزيز حكيم).<br />
وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; هذا أسبابا منها: أنه لما قال لنمرود (ربي الذي يحي ويميت) أ حب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة.<br />
أما قوله &#8211; تعالى -: (فصرهن إليك) فقد روي عن ابن عباس &#8211; رضي الله عنهما &#8211; أنه قال: أوثقهن فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا فذكروا أنه عمد إلى أربع من الطير فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءا، قيل أربعة وقيل سبعة، قال ابن عباس: أخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله &#8211; عز وجل &#8211; أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله &#8211; عز وجل -. فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; فإذا قدم له غير رأسه يأباه فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته &#8220;.</p>
<p><span style="color: #993300;">6-</span> ما أخبر الله به عن عيسى &#8211; عليه السلام &#8211; من أنه كان يحيي الموتى بإذن الله كما قال &#8211; تعالى -: (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ ألاكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله).</p>
<p><span style="color: #993300;">7-</span> ما أخبر الله من قصة أصحاب الكهف.</p>
<p>وهذه الأدلة المتقدمة أدلة مادية حسية، وقعت كلها لتدل على أحياء الموتى بعد مماتهم وهذا برهان قطعي على القدرة الإلهية وقد أخبر الله ورسله عن وقوع البعث والحشر فوجب القطع بذلك لأنه أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">ثانيا الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى:</span></strong></p>
<p>ومن الآيات الدالة على ذلك ما يلي:</p>
<p><span style="color: #993300;">1</span>&#8211; قال &#8211; تعالى -: (يا أيها الناس كنتم في ريب من البعث فِانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقه ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شئ قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور).<br />
في هذه الآيات دليلان على إمكان البعث، أحدهما دليل في الأنفس والآخر دليل في الآفاق، فأما الدليل الذي في الأنفس فهو ما اشتمل عليه صدر الآية وهو متعلق بالنشأة الأولى، وأما الدليل الآفاقي فهو قوله &#8211; تعالى -: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج).<br />
وهو الاستدلال بخلق النبات على إمكان البعث كما سيأتي.</p>
<p><span style="color: #993300;">2-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهى رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).<br />
قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا قال رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; &#8221; نعم يميتك الله &#8211; تعالى &#8211; ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار &#8221; ونزلة هذه الآيات من آخر يس،.<br />
وروي عن ابن عباس &#8211; رضي الله عنهما &#8211; أنه قال: إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففتته بيده ثم قال رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; &#8221; نعم يميتك الله ثم يدخلك جهنم &#8221; قال: ونزلت من آخر يس.<br />
وسواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص أو فيهما فهي عامة في كل من أنكر البعث، ذكره ابن كثير.</p>
<p><span style="color: #993300;">3-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وقالوا أئذا كنا عظما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جد يدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).<br />
إن شبهات المنكرين للبعث تكاد تكون متجانسة لأنها تدور حول استبعاد جمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة الحياة إليها بعد فنائها وهذه الشبه لا تكون إلا بالقدح في كمال علم الله المحيط بكل شيء وكمال قدرته على كل شيء، وقد قام البرهان على كمال العلم والقدرة لله &#8211; تعالى -، فلا وجه للاستبعاد والاستغراب بعد ذلك، وفي قوله &#8211; تعالى -: (قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم). يعنى به أنكم مهما تفرقتم وعلى أية حال كنتم فالله قادر على إعادة الحياة إليكم مرة أخرى، مع أن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمة وبين قبول الحياة وذلك أن العظم قد كان جزءا من بدن الحي، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة.<br />
وفي قوله &#8211; تعالى -: (فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة). استدلال بالنشأة الأولى على الثانية وهذا هو الشاهد من الآية، أما قولهم (متى هو؟ ) فهو سؤال فاسد كما ذكره الرازي، لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها، ثم إن الله &#8211; تعالى &#8211; بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه فقولهم متى هو؟ كلام لا تعلق له بالبحث الأول فانه متى ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فان أخبر الله &#8211; تعالى &#8211; عن ذلك الوقت المعين عرف و إلا فلا سبيل إلى معرفته.</p>
<p><span style="color: #993300;">4-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وهو الذي يبدؤوا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) في هذه الآية استدلال على البعث بالقياس الأولوي، وفي قوله &#8211; تعالى -: (وهو أهون عليه) ضرب مثل لأنه لا يوجد بالنسبة لله &#8211; تعالى &#8211; شيء هو أسهل وشيء هو أصعب وإنما المقدورات عندنا نحن متفاوتة في العسر واليسر باختلاف القدرة التي تزيد وتنقص في حقنا، ولما كان إيجاد شيء لا من شيء مستحيلا منا، وإيجاد شيء من شيء ممكنا استعار كلمة أفعل، وضرب ذلك مثلا، ولما استحال في حقه العجز والضعف عن إيجاد شيء لا من شيء قال: (وله المثل الأعلى) وذلك مطرد في سائر صفاته &#8211; سبحانه &#8211; من العلم والقدرة والحياة والرحمة والرضى والغضب، وكل صفة وصف بها الإنسان من ذلك فان لله &#8211; تعالى &#8211; من ذلك ما يليق بجلاله وعظمته وللمخلوق ما يليق بعجزه وضعفه.</p>
<p><span style="color: #993300;">5-</span> قوله &#8211; تعالى -: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف ابعث حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يكن شيئا).</p>
<p>بهذا المنطق الصحيح والبرهان القاطع يرد القرآن الكريم على ذلك المنكر ويجادله في أسلوب هادئ محكم فيلزمه الحجة الواضحة في أقل من نصف سطر، وفي الآية كما ترى استدلال على المعاد بالنشأة الأولى.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #008000;"><strong>ثالثا: الاستدلال على إمكان البعث بخلق الأكوان</strong>،</span> مثل السماوات والأرض، فان خلقها أعظم من خلق الإنسان، ومن الآيات الدالة عليه ما يلي:</p>
<p><span style="color: #993300;">1-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه).<br />
<span style="color: #993300;">2-</span> قوله &#8211; تعالى -: (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم).<br />
<span style="color: #993300;">3-</span> وقال &#8211; تعالى -: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعيا بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى بلى انه على كل شيء قدير).<br />
وجميع الآيات السابقة وما في معناها من الآيات أكبر برهان على قدرة الله المطلقة التي لا تقيد بقيود ولتنتهي عند حدود، فان تلك الآيات الكونية مما هو معروف ببداهة العقول أن خلقها أعظم من إعادة خلق الإنسان.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">رابعا: الاستدلال على إمكان البعث بخلق النباتات المختلفة:</span></strong> ومن الآيات ما يلي:</p>
<p><span style="color: #993300;">1-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه إلى بلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون).<br />
<span style="color: #993300;">2-</span> قوله &#8211; تعالى -: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور).<br />
<span style="color: #993300;">3-</span> قوله &#8211; تعالى -: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى انه على كل شيء قدير).<br />
<span style="color: #993300;">4-</span> قوله &#8211; تعالى -: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك للآيات لقوم يعقلون)<br />
وقوله: (وان تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد).<br />
وفي هذه الآيات السابقة استدلال بتبدل أحوال النباتات من حياة إلى موت فحياة، وسلب خاصية النشوء والنماء في بعض النباتات فتهمد وتتفتت ثم تسقى بالماء فتعود إلى إليها تلك الخاصية، فلو كان مستحيلا إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى لما عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد موتها لأن المشابهة واضحة في القدرة الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى ولهذا لفت القرآن الكريم أنظار المنكرين إلى التبصر في الموجودات الحسية واستنتاج العظات والعبر منها ليعود للنفس إيمانها فتسعد بالطمأنينة والاستقرار، وقد تقدمت المشابهة بين إعادة الحياة إلى النبات بالمطر وإعادة بناء الأجساد وإنباتها بالمطر الذي يجعله الله عند البعث وهو مطر كمني الرجال فتنبت منه الأجساد. وفي قوله &#8211; تعالى -: (وان تعجب فعجب قولهم).. الآية إشارة إلى إن العجب يكون من إنكارهم لا من البعث ومعناه: إن كان لك عجب من شيء فمن إنكارهم البعث، فاعجب لأن العجب ما ندر وجوده وخفي سببه، وليس البعث مما ندر، وهم يشاهدون أحياء الأرض بعد موتها، واكتساء الأشجار بعد عريها، وعود النهار بعد زواله، والليل بعد ذهابه، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي، ولا مما خفي سببه فان الله &#8211; سبحانه &#8211; هو الفاعل لذلك والمخترع له والقادر عليه وحكمته إظهار ما استتر عن خلقه من تدبيره، وما النشأة الثانية بأعجب من الأولى.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">خامسا: الاستدلال على إمكان البعث بحصول أحد المتضادين:</span></strong></p>
<p>فان الأحياء بعد الموت لا يستنكر من حيث أنه يحصل الضد بعد حصول الضد، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة الله &#8211; تعالى &#8211; لأنه لما جاز حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت؟ فان حكم الضد ين واحد قال &#8211; تعالى &#8211; مقررا لهذا المعنى: (نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">سادسا: الاستدلال على البعث والإعادة بإخراج النار من الشجر الأخضر:</span></strong></p>
<p><span style="color: #993300;">1-</span> قال &#8211; تعالى -: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون).<br />
<span style="color: #993300;">2-</span> قال &#8211; تعالى -: (أفرءيتم النار التي تورون (71) ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون).<br />
وفي الآيتين السابقتين استلال بتوليد النار مع حرها ويبسها من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته<br />
قال الفخر الرازي في قوله &#8211; تعالى -: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا). الآية &#8221; ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به حياة سارية فيه وهي كحرارة جارية فيه، فان استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه فان النار في الشجر الخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب، وأنتم تحضرون حيث منه توقدون وان استبعدتم خلق جسمه فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فان الله خلق السماوات والأرض &#8220;، وفي هذا عبرة عظيمة فان الله &#8211; تعالى &#8211; جمع في الأخضر بين الماء والنار والخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب. وفي قوله &#8211; تعالى -: (أفر أيتم النار التي تورون) الآيات إما أن يراد من الشجرة النار الشجرة التي توري النار منها بالزند والزندة كالمرخ والعفار، أو يراد بها الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار، ووجه دلالة النار على البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر ثم تظهر بالقدح وتشب بالنفخ، فالحجر، والشجر كالقبر والقدح والنفخ كالنفخة في الصور.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">سابعا: الاستدلال على البعث بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء:</span></strong></p>
<p>فان الله &#8211; تعالى &#8211; لم يخلق الناس عبثا ولن يتركهم سدى قال &#8211; تعالى -: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى). وقال &#8211; تعالى -: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) ’ فعدل الله وحكمته وإحقاقه الحق وإبطاله الباطل وإعطاؤه كل ذي حق حقه وتميزه بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء كل ذلك يأبى إلا أن يكون هناك يوم آخر بعد نهاية الدنيا ينال فيه كل إنسان جزاؤه وما يستحقه من الثواب والعقاب على ما قدم من خير أو شر.</p>
<p>فإننا نرى أناسا يفارقون الدنيا وهم ظالمون لم يقتص منهم، ونرى أناسا آخرين يفارقون الدنيا مظلومين لم ترد إليهم مظالمهم، ونرى أشرارا في الدنيا منعمين ونرى أخيارا فيها معذبين فإذا ذهب كل إنسان بما فعل إن ظالما أو مظلما محظوظا أو مهضوما كان ذلك خدشا في عظمة الألوهية وعدلها وقضائها، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءه كما قال &#8211; تعالى -: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين).<br />
وقال &#8211; تعالى -: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محيا هم ومماتهم ساء ما يحكمون) ولهذا ه المعاني قال بعض الحكماء &#8221; ثبت أن الله &#8211; عز وجل &#8211; حكيم والحكيم لا ينقض ما بنى إلا لحكمة أتم من حكمة النقض ولا يجوز أن تكون أنقص ولا مماثلة على مالا يخفى &#8220;.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #008000;">ثامنا: الاستلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم،</span></strong> فان النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت.</p>
<p>قال &#8211; تعالى -: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون). ثم ذكر عقبه أمر الموت والبعث فقال &#8211; تعالى -: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)، قال &#8211; تعالى &#8211; في آية أخرى (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).</p>
<p>والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #333399;">هذه لمحة موجزة عن إمكان البعث وتحقق حصوله في ضوء القرآن الكريم.</span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a5%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مقدمة في قواعد التفسير</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%b1/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 21:40:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=350</guid>
		<description><![CDATA[&#160; التعريف: القاعدة لغةً: الأصل الذي يبنى عليه غيره. اصطلاحاً: حكمٌ كلي يتعرف به على أحكام جزئياته. التفسير لغة: الكشف والبيان. واصطلاحاً: بيان معاني كلام الله &#8211; تعالى -. وقواعد التفسير: هي الأحكام الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط معاني القرآن الكريم، ومعرفة الراجح مما فيه خلاف. أهمية معرفة القواعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية:...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>التعريف:</strong></span><br />
<span style="color: #808000;">القاعدة</span> لغةً: الأصل الذي يبنى عليه غيره.<br />
اصطلاحاً: حكمٌ كلي يتعرف به على أحكام جزئياته.</p>
<p><span style="color: #808000;">التفسير</span> لغة: الكشف والبيان.<br />
واصطلاحاً: بيان معاني كلام الله &#8211; تعالى -.<br />
<span style="color: #808000;">وقواعد التفسير:</span> هي الأحكام الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط معاني القرآن الكريم، ومعرفة الراجح مما فيه خلاف.<br />
<span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>أهمية معرفة القواعد:</strong></span></p>
<p>قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرَدُّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؛ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وظلم وجهل في الكليات، فيتولد فساد عظيم» ( الفتاوى 19/203.).<br />
وقال الزركشي: «أما بعد: فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة. هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حكـم العدد التي وضـع لأجـلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه» (المنثور في القواعد 1/65.).<br />
والحاصل أن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية ما يجل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بها من الاستنباط والفهم مع ملكة ظاهرة تصيره ذا ذوق واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير(قواعد التفسير 1/38).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>ميزة القواعد:</strong></span></p>
<p>تتميز القواعد بالإيجاز في الصياغة مع عموم المعنى وسعة استيعابه للجزئيات وسهولة الحفظ والإشارة إلى المناط والعلة.<br />
<span style="color: rgb(153, 51, 0);"><strong>المؤلفات في قواعد التفسير:</strong></span></p>
<p>غالب ما ألف في قواعد التفسير إنما هو في علوم القرآن الكريم ككتاب (التيسير في قواعد علم التفسير) لمحمد بن سليمان الكافيجي (ت 879)، و (أصول التفسير وقواعده) لخالد بن عبد الرحمن العك.</p>
<p>أما التأليف في القواعد ذاتها جمعاً ودراسة ففيه رسالتان فريدتان:</p>
<p><span style="color: rgb(51, 51, 0);"><span style="color: #808000;">1 ـ</span> قواعد التفسير جمعاً ودراسة</span>، لخالد بن عثمان السبت في مجلدين وهي رسالة دكتوراه مقدمة في الجامعة الإسلامية.</p>
<p><span style="color: rgb(51, 51, 0);"><span style="color: #808000;">2 ـ</span> قواعد الترجيح عند المفسرين،</span> لحسين بن علي الحربي في مجلدين، وهي رسالة ماجستير مقدمة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وموضوع الثانية أخص من الأولى؛ إذ هي في القواعد الترجيحية.<br />
وقد ضمَّن الكاتبون في علوم القرآن وفي أصول التفسير كتبهم فصولاً في قواعد التفسير ككتاب البرهان لبدر الدين الزركشي (794هـ)، والإتقان لجلال الدين السيوطي (911هـ).<br />
إضافة إلى ما زخـــرت به مقدمــات المفسرين في تفاسيرهم كـ مقدمة (النكت والعيون) للماوردي، ومقدمة (التسهيل) لابن جزي الكلبي، ومقدمة (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور. ومقدمة ابن كثير في تفسيره والتي استفادها من كتابة شيخ الإسلام في أصول التفسير.<br />
أما المصدر التطبيقي الثّر فهي كتب المفسرين المؤصلة كتفسير الطبري، والمحرر الوجيز لابن عطية، وأضواء البيان للشنقيطي.<br />
<span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>أنواع القواعد:</strong></span></p>
<p>للقواعد تقسيمات باعتبارات مختلفة، ومن ذلك تقسيمها باعتبار الغاية منها، وهي على نوعين:<br />
<span style="color: rgb(153, 51, 0);">الأول: قواعد عامة</span> يستفاد منها في فهم القرآن؛ كقاعدة: «المفرد المضاف يفيد العموم».<br />
كقوله &#8211; تعالى &#8211; : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]. وقوله: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] المقصود: نعم الله.</p>
<p><span style="color: rgb(153, 51, 0);">الثاني: قواعد ترجيحية</span> يستفاد منها في الموازنة بين الأقوال، ومعرفة الراجح منها والمرجوح؛ كقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن السياق مرجح على ما خالفه»، كقوله &#8211; تعالى &#8211; : مّا يّكٍونٍ مٌن نَّجًوّى&#8221; ثّلاثّةُ إلاَّ هٍوّ رّابٌعٍهٍمً [المجادلة: 7] أي بعلمه، قالوا: لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم(قواعد الترجيح، 1/301)، وقوله &#8211; تعالى &#8211; : كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [الأنبياء: 30] قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [الأنبياء: 30] من المطر والنبات. ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصواب؛ لدلالة قوله &#8211; تعالى &#8211; : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30] على ذلك».</p>
<p>وليعلم أن الأقوال إذا كانت محتملة في الآية وبنفس القوة فإنه لا ترجيح بينها، كقوله: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى [الرعد: 8] «الله يعلم ما تحمل كل أنثى» فما يحتمل أن تكون (موصولة) والمعنى: يعلم الذي تحمله كل أنثى من ولد على أي حال كقوله: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان: 34]. ويحتمل أن تكون (مصدرية) والمعنى: يعلم حمل كل أنثى كقوله: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: 11].</p>
<p>ويكون الترجيح بين الأقوال إذا تعارضت، أو عارض بعضها نصاً أو إجماعاً، أو لم يكن بينها تعارض ولا مع غيرها؛ لكن كان بعضها أوْلى من بعض.</p>
<p>مثال الأول: خلافهم في تفسير (القُرْء).<br />
ومثال الثاني: من ادعى جواز الجمع بين تسع حرائر مستدلاً بقوله: مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ [فاطر: 1] فهو خلاف إجماع الأمة وما روي عن سعيد بن المسيب: «ما سكر آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن سقته حواء من الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل» فهذا معارض لقوله &#8211; تعالى &#8211; : لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: 47] ( البحر المحيط 1/261).<br />
ومثال الثالث: قوله &#8211; تعالى -: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس: 20] قيل: طريق خروجه من بطن أمه لدلالة السياق، وقيل: طريق الخير والشر. لقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. [الإنسان: 3].<br />
<span style="color: rgb(128, 0, 0);"><strong>تنازع القواعد:</strong></span></p>
<p>إذا تنازعت القواعد المثالَ الواحدَ؛ بحيث صار لكل قول قاعدة ترجحه فإن المعتبر به غلبة ظن المجتهد كما قال الزركشي: «واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد ما غلب على ظنه» ( البحر المحيط، للزركشي 6/159.).<br />
وقال الشنقيطي: «والمرجحات يرجع بعضها على بعض؛ وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن» (أضواء البيان 5/371.).<br />
مثال ذلك: قوله &#8211; تعالى &#8211; : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء: 22] ففيها قولان:<br />
الأول: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم من النساء؛ فمنكوحة الأب حرام على ابنه و (ما) في الآية موصولة، ويدل عليه سبب نزول الآية؛ حيث إن قيس بن صيفي بن الأسلت خطب امرأة أبيه فأنزل الله الآية.</p>
<p>الثاني: ولا تنكحوا نكاح آبائكم الفاسد الذي يتعاطونه في الجاهلية، و (ما) مصدرية؛ قالوا: لأن (ما) لا تكون إلا لغير العاقل غالباً، والقاعدة: وجوب حمل كلام الله على المعروف المشهور من كلام العرب.</p>
<p>ولا شك أن القول الأول هو الصواب لاعتماده على سبب النزول، هذا فضلاً عن كون (ما) وردت للعاقل في غير ما آية من غير نكارة ولا شذوذ كقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ [النحل: 62] وقوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: 35].<br />
<strong><span style="color: #993300;">نماذج من قواعد التفسير:</span></strong></p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.</span><br />
أي: إذا وردت الآية على سبب خاص فإنها لا تُقصَر عليه، بل يُنظر إلى عموم لفظها؛ ومثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 3] قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، وقيل: نزلت في جماعة من قريش. قال ابن جرير: «وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال إن الله &#8211; تعالى &#8211; ذِكْرُه ـ أخبر أن مبغض رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; هو الأقل الأذل المنقطع عقبه؛ فذلك صفة كل من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه».</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة الثانية: الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه.</span><br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: 3]. قيل: آدم وولده، وقيل: إبراهيم وولده. وقيل: بل هي عامة في كل والد وولده. وهو الصحيح، قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: أقسم الله بكل والد وولده؛ لأن الله عمَّ كل والد وما ولد. وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوص؛ فهو على عمومه كما عمه».</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة الثالثة: إذا اختلف المعنى الشرعي والمعنى اللغوي فالمقدم الشرعي إلا بدليل؛</span> لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة.<br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا [التوبة: 84] فالصلاة في اللغة: الدعاء.<br />
وفي الشرع: صلاة الجنازة والمقدم المعنى الشرعي.<br />
فإن دل الدليل على اعتبار اللغوي دون الشرعي وجب الأخذ به كما في قوله &#8211; تعالى &#8211; : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: 103] أي: ادع لهم؛ ودليله حديث عبد الله ابن أبي أوفى؛ حيث قال: «كان النبي &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ على آل فلان! فأتاه أبي بصدقته: فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى! »( أخرجه البخاري، رقم 1497، ومسلم، رقم 1077).</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة الرابعة: تحكيم السياق عند الاختلاف.</span><br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ [البقرة: 187] قيل: هو الولد، وقيل: ليلة القدر، وقيل: ما أحله لكم ورخص لكم، والأول أرجح لمناسبته السياق؛ حيث جاء عقيب قوله: فّّالآنّّ بّّاشٌرٍوهٍنَّ [البقرة: 187].</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة الخامسة: تحكيم الرسم عند الاختلاف.</span><br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى [الأعلى: 6] قيل: (لا) نافية، وقيل: ناهية. والصواب الأول؛ لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بحذف حرف العلة.</p>
<p>وكذلك قوله &#8211; تعالى &#8211; : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: 3] ففي الضمير (هم) في الفعلين قولان:</p>
<p><span style="color: #808000;">1 ـ</span> أنه يعود على الناس؛ ويكون الضمير في موضع نصب.<br />
<span style="color: #808000;">2 ـ</span> أنه يعود على واو الجماعة في (كالوا ووزنوا) ويكون في موضع رفع مؤكداً لواو الجماعة.</p>
<p>والراجح الأول؛ لأنه لو كانت كلمة (كالو) مستقلة و (هم) مؤكدة لأتبعت (كالو) في الرسم بألف الفرق(وتسمى أيضاً ألف التفريق أو ألف الجماعة) لكتبت (كالوا هم) وليس الأمر كذلك.</p>
<p><span style="color: rgb(0, 128, 0);">القاعدة السادسة: يجب تفسير المعنى على الأغلب من استعمال العرب.</span> أي دون الشاذ والقليل والمنكر.<br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا [النبأ: 24] قيل في البرد قولان:<br />
الأول: برد الهواء الذي يبرد جسم الإنسان.<br />
والثاني: النوم.<br />
قال ابن جرير: «والنوم وإن كان يبرد غليل العطش، فقيل له من أجل ذلك: البرد؛ فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره»، وبمثله قال النحاس (إعراب القرآن 5/132.).</p>
<p><span style="color: #008000;">القاعدة السابعة: وجوب مراعاة معهود القرآن وطريقته في البيان.</span><br />
والمراد: أن اختيار التأويل الموافق لطريقة القرآن ومعهوده الكلي أو الأغلبي هو المتعين:<br />
مثالها: قوله &#8211; تعالى &#8211; : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: 8] في مرجع الضمير في (رجعه) قولان:</p>
<p><span style="color: #808000;">1 ـ </span>أنه يعود إلى الإنسان، والمعنى: أن الله قادر على رده للحياة بعد موته.</p>
<p><span style="color: #808000;">2 ـ</span> أنه يعود إلى الماء، والمعنى: أن الله قادر على رد الماء إلى الصلب أو الإحليل؛ والصواب الأول؛ لأن المعهود في القرآن الاستدلال بالمبدأ على المعاد.</p>
<p>وأما القول الثاني «فلم يأت لهذا المعنى نظير في موضع من القرآن» (البيان، ص 66).<br />
وأيضاً قوله &#8211; تعالى &#8211; : فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: 75] قيل: آيات القرآن، ومواقعها نزولها شيئاً بعد شيء، وقيل: هي النجوم المعروفة في السماء. وهو الراجح؛ لأن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد بها الكواكب؛ كما قال ابن القيم (التبيان، 136.).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مَنْ صَاحِـبُـك ؟</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%8e%d9%86%d9%92-%d8%b5%d9%8e%d8%a7%d8%ad%d9%90%d9%80%d8%a8%d9%8f%d9%80%d9%83-%d8%9f/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%8e%d9%86%d9%92-%d8%b5%d9%8e%d8%a7%d8%ad%d9%90%d9%80%d8%a8%d9%8f%d9%80%d9%83-%d8%9f/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 21:21:44 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[كلمة الشهر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=348</guid>
		<description><![CDATA[صديقان تعرفت عليهما في معترك الحياة ، كان أحدهما متوسط الدخل والآخر ثرياً، كان لقائي بالثري أكثر بحكم قرب السكن ولتوقعي أن يسدّ حاجتي في وقت الشدّة، ولم أكن أشكّ في ذلك مما أراه من الحفاوة والاحترام . ذات يوم احتجت مبلغ 30.000 ريال فما بدر لي إلا الصاحب الغني، وقلت سيكون فرحه عظيماً بعرضي...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>صديقان تعرفت عليهما في معترك الحياة ، كان أحدهما متوسط الدخل والآخر ثرياً، كان لقائي بالثري أكثر بحكم قرب السكن ولتوقعي أن يسدّ حاجتي في وقت الشدّة، ولم أكن أشكّ في ذلك مما أراه من الحفاوة والاحترام .</p>
<p>ذات يوم احتجت مبلغ 30.000 ريال فما بدر لي إلا الصاحب الغني، وقلت سيكون فرحه عظيماً بعرضي حاجتي عليه.</p>
<p>اتصلت به وعرضت عليه الأمر وتفاجأت بأن الرجل يتلعثم في الردّ ويتلكأ في الجواب ويختم المكالمة بأنه بحاجة إلى وقت في التفكير، صُدمت من رده ولم أُبْدِ له شيئاً، لكني قررت أن لا أحرجه وأن لا آخذ منه شيئاً. أغلقت السماعة ثم اتصلت على صاحبي الأول الذي تعرفت عليه في رياض المساجد وحلق الذكر وساحات المراكز الصيفية فأجابني بالسؤال التالي: أين أنت الآن ؟ قلت: في بيتي . قال:&#8221; خيراً، سآتيك بعد قليل &#8220;. ظننته سيأتي ليتحدث معي في الموضوع بعد نصف ساعة ، إذ به يطرق الباب ويضع المبلغ نقداً بيدي، شكرته على سرعة استجابته وطلبت منه أن نوثق القرض طاعة لله، فأبى، وقال : إن جئت به فالحمد لله وإن لم تستطع فأنت في حلٍّ ولذا لا حاجة إلى الكتابة &#8221; ، هكذا أقنعني&#8230;.</p>
<p>أخذت المبلغ وقضيت حاجتي في نفس اليوم بل في نفس الساعة . من الغد اتصل بي صاحبي الثري وطلب مني أن أحضر لمنزله ، حضرت وأبدى موافقته على القرض ثم طلب مني بطاقتي الشخصية، فصَوَّرها ، ثم طلب مني أن أكتب إقراراً بالقرض وطريقة سداد المبلغ والمدة المتوقعة، كتبته، ثم وضع مدير مكتبه الأوراق في ملف خاص بالموضوع ثم كتب الشيك باسمي ، ولعلمكم أيها السادة لم يكن بي حاجة للمبلغ لأن صاحبي الذي هو صاحبي قد قضاها لكني أردت أعرف النهاية ولا أخزي الرجل، ثم شكرته وودعته. لقد قررت أن أصرف المبلغ من البنك ثم أسدده له في غضون عشرة أيام، وفعلت ذلك بحمد الله، وقد تعجب من سرعة سدادي للقرض ، فقلت له : لقد قضيت حاجتي وأريد براءة ذمتي. بقيت صحبتي واحترامي لصاحبي هذا لكن عرفت أن الأصحاب ليسوا صنفاً واحداً،<span style="color: #0000ff;"> فمنهم من يكون للمؤانسة والسراء، ومنهم من يكون للسراء والضراء، ومنهم من يكون عدة للدنيا والأخرى</span>،<span style="color: #0000ff;"> وهذا خيرهم</span> فإنك لا تندم على مصاحبته ولا على مجالسته، إن أصابتك مصيبة أعانك ، وإن حلت بك نعمة فرح لك كما يفرح لنفسه وهكذا كان صديقي الأول، وهذا ما تنتجه الصداقة إذا كانت لله.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%85%d9%8e%d9%86%d9%92-%d8%b5%d9%8e%d8%a7%d8%ad%d9%90%d9%80%d8%a8%d9%8f%d9%80%d9%83-%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مات يوم العيد</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%8a%d8%af/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%8a%d8%af/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 21:17:40 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=346</guid>
		<description><![CDATA[بعد أن صليت عيد الفطر عام 1412 وأنهيت برنامج الزيارات المعتادة للأقارب والمعارف . رجعت إلى بيتي مؤملاً أن أرتاح قليلاً لأعود إلى بقية الأرحام وذوي الحقوق فأُسلِّم عليهم وأصِلَهُم في ذلك اليوم. لكن الهاتف فاجأني برنينه فوجدت على الطرف الآخر جارنا الأستاذ إبراهيم الربيعة يسلم علي ويهنئني بالعيد، كان صوته يدل على إعياء وتعب،...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>بعد أن صليت عيد الفطر<span style="color: rgb(0, 0, 128);"> عام 1412</span> وأنهيت برنامج الزيارات المعتادة للأقارب والمعارف . رجعت إلى بيتي مؤملاً أن أرتاح قليلاً لأعود إلى بقية الأرحام وذوي الحقوق فأُسلِّم عليهم وأصِلَهُم في ذلك اليوم.</p>
<p>لكن الهاتف فاجأني برنينه فوجدت على الطرف الآخر جارنا الأستاذ إبراهيم الربيعة يسلم علي ويهنئني بالعيد، كان صوته يدل على إعياء وتعب، وبعد سؤال علمت بالمفاجأة التي كانت فاجعة .</p>
<p>قال إبراهيم: تعلم أني ذهبت للعمرة في العشر الأواخر أنا وفهد المزيد ومحمد الرشيد وكلهم من جيراننا، وبعد أن أعلن هلال العيد حزمنا أمتعتنا وأسرعنا متوجهين للرياض التي تبعد ألف كيلو عن مكة رجاء أن ندرك العيد مع أهلنا، كان فهد يقود السيارة لا أدري لعله نام !! .المهم انقلبت بنا السيارة، خرجت سالماً إلا من جراح يسيرة أما فهد فمات رحمه الله وأما محمد ففي العناية المركزة، وكلنا في مستشفى الطائف والحمد لله على كل حال.</p>
<p>وقع الخبرُ عليّ شديداً وعقد لساني ورحت أسترجع وفي الوقت ذاته أتعجب من هذه الخاتمة الحسنة لأخي فهد الذي صام رمضان وقام عشره الأخيرة في أطهر البقاع وأدى عمرة رمضان الفاضلة التي تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .ثم مات في حادث سيارة،<span style="color: rgb(0, 128, 128);"> وهذه شهادة إن شاء الله</span> ؛ لأن الميت بحادث السيارة يعد من شهداء الهدم .</p>
<p>قال لي إيراهيم : وهو يقطع علي حبل أفكاري ويوقظني من أحزاني: لي إليك حاجة.<br />
قلت : وما هي؟<br />
قال: تذهب إلى أهل فهد وتبلغهم بخبر وفاته ليقوموا بواجبه من الدفن والصلاة ويعجلوا به كما هي السنّة .<br />
قلت: أما وجدت لهذه المهمة أحداً غيري، ألا تعلم يا إبراهيم أننا في يوم عيد، وأسرة فهد مجتمعون الآن ، وينتظرون ابنهم وقرة أعينهم بفارغ الصبر .<br />
قال: لا أجد لها أحداً سواك، والأمر لا يحتمل التأجيل فبادر واستعن بالله.<br />
يا الله ما أصعبها من مهمة وما أشدّه من جهد !!</p>
<p>كانت المكالمة قبيل العصر، صليت العصر ثم ركبت سيارتي وتوجهت إلى بيت أهل فهد، كانت السيارات مجتمعة عند البيت والأطفال كُثر، والفرح بادٍ على الوجوه، ولم يكونوا يعلمون أن الموت قد اختام نفساً عزيزة عليهم .<br />
يا ربِّ ماذا أقول ، وكيف أصنع ؟</p>
<p>طرقتُ الباب، خرج أحد الأطفال، طلبت منه أن يدعو أحد أعمامه ، جاءني أحمد شقيق فهد ورفيقه في العمل ، سلمت عليه وعايدته ، وطلبت منه أن يركب معي لأحدّثه في موضوع خاص ، استجاب وركب، مهدت بتمهيد يسير وأخبرته أنه جاءني اتصال من الطائف &#8211; وأخفيت اسم المتصل &#8211; يفيد بوقوع حادث للشباب الثلاثة قبل مدينة المويه وأنهم أصيبوا جميعا .<br />
قال لي: ما حالة أخي فهد ؟<br />
قلت وقد انعقد لساني من الحيرة : التفاصيل ليست عندي بشكل دقيق لكن سأوافيكم بها بعد ساعة إن شاء الله.<br />
<span style="color: rgb(51, 51, 51);">أردت أن يتوقعوا كل شيء وأن لا أفاجئهم بشيء.</span></p>
<p>نعم، اليوم عيد، والقوم فرحون، وأنا أحمل الخبر الحزين الذي سيقلب الأفراح أتراحا .<br />
أنزلته من السيارة مبادراً كيلا يمطرني بأسئلته التي قد تكشف الحقيقة. ووعدته بالاتصال. رضي ونزل بعد أن اتفقنا على أن يجمع إخوانه ويخبرهم بوقوع الحادث . بعد ساعة أو أكثر مررت عليه وقلت له: المعلومات التي وصلتني تقول إن فهداً هو أشد الثلاثة إصابةً، فاجأني بسؤاله المحرج: هل مات ؟<br />
قلت له : أمّل خيراً بالله، سيأتي الخبر اليقين بعد ساعة بإذن الله فانتظرني، ثم قلت معرّضا: الحمد لله مثل هذا لو مات فنعمت الخاتمة التي مات عليها. قال أحمد : صحيح ، ميتة طيبة وخاتمة حسنة ولكن&#8230; ثم استعبر.<br />
تركته وذهبت لبيتي، وبعد صلاة المغرب اتصلت به وطلبت منه أن يأتيني في البيت. جاءني وسلّم علي وقال مبادراً : بشّر !!!.<br />
قلت له وقد علمت أنه يتوقع خبر الموت : أحسن الله عزاءك في فهد .<br />
بكى وظهرت عليه آثار التأثر كيف !! وفهد كان نورَ البيت وقَضّاء الحاجات الذي يعمل كالنحلة في خدمة الجميع، ولا يستغنى عنه أهل البيت في حاجاتهم الكثيرة.<br />
تذكرت لحظتها جلسةً جلستها مع الشيخ يوسف المطلق مُعَبِّر الرؤى المعروف – رحمه الله &#8211; وكان ذلك في ميناء جدة الإسلامي عام 1402 وكنت حينها مرافقا لشيخنا عبدالله بن عبدالرحمن التويجري في رحلة الحج<br />
قال الشيخ يوسف لنا: من نزلت به مصيبة فعليه بالصلاة فإن الله يقويه عليها، ويسليه، ويعينه ثم قص علينا أخباراً في هذا المعنى وصدق رحمه الله فإن الله تعالى قال : {وَاستعينُوا بالصبرِ والصلاةِ وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعِين}<br />
عندها قلت لأحمد : لي طلب،<br />
قال: تفضل .<br />
قلت: تصلي ركعتين.<br />
قال: لكن أريد أن أبلغ إخواني وأهلي فهم ينتظرون الأخبار على أحرَّ من الجمر.<br />
قلت بإصرار: لا ، بل الآن ، وقبل أن تخبرهم ، صل ركعتين ليعينك الله.<br />
امتثل أمري حياء مني وصلى ركعتين.<br />
لما سلّم منهما رأيت وجهاً غير الأول قد كساه الرضا وعلته أمارات التسليم.<br />
التفت إليّ وقال لي: ما ترى؟<br />
قلت : ادع إخوانك عندي هنا لتبتعد بهم عن البيت ورواده ، واصنع بهم ما صنعت بك .<br />
قال: نِعم ما رأيت .<br />
وبدأ بالاتصال بهم وكلّما قدِم أحدهم سلّم عليه وأخبره الخبر فيبكي ويسترجع، فيأمرهم خالد أن يصلوا ركعتين ، فيستغربون الطلب ويحاولون الاعتذار فيصر عليهم فيصلون<span style="color: rgb(51, 51, 153);"> ووالله ما صلى أحدهم إلا سلّم بوجه غير الذي افتتح به صلاته .</span><br />
لما اكتمل عقدهم جمعتهم ثم ألقيت فيهم كلمة ذكّرتهم فيه بالصبر والرضا وأجر الصابرين ، وذكرت أن هذه الخاتمة التي ختم الله بها لفهد خاتمة -إن شاء الله- حسنة، ويرجى له بها خير.<br />
ثم سألتهم: وماذا ستفعلون الآن؟<br />
قالوا سنحجز الآن للطائف ونأتي بالجنازة لنصلي عليه بإذن الله غداً في الرياض.<br />
قلت: أوَ خير من ذلك ! والرأي لكم.<br />
قالوا: وما هو؟ قلت: تذهبون به إلى مكة فيصلي عليه العدد الكثير ويدفن في البقاع الطاهرة.<br />
قال أحدهم: ولكن أهله وأقاربه يشق عليهم أن يذهبوا إلى مكة للصلاة عليه.<br />
قلت: هذا صحيح، ولكن هل الأولى أن تراعوا مصلحة الميت أو مصلحة الأقارب؟<br />
قالوا: بل مصلحة الميت أهم وأولى.<br />
قلت: أرأيتم لو كان أحدكم مكانه أيما أحب إليه أن يصلى عليه في الرياض أو في الحرم حيث يصطف للصلاة عليك أزيد من نصف مليون إنسان يدعون لك ، كثير منهم وفدوا على الله من مكان بعيد وهم حريون بإجابة الدعاء ؟<br />
قالوا: بل نريد أن يصلى علينا هناك ، وما منا من أحد إلا يتمنى ذلك !!<br />
قلت :فافعلوا بفهد ما تحبون أن يفعل بكم، وأقاربكم أحد رجلين ، من كان قادراً ذهب وكسب الأجر ، ومن كان غير ذلك فهو معذور ، ولا يجب عليه شرعا شيء لأن هناك من قد كفاه .<br />
لقد كان رأياً رشيداً فرحوا به وكانت الهداية له والعمل به من آثار الصلاة وبركاتها .<br />
خرجوا من عندي كأن الميت ليس من أقربائهم من شدة ثباتهم تعلوا محياهم علامات الرضا والتسليم.<br />
أما فهد يا إخواني ، فقد كان شاباً صالحاً ، وكان خدوماً متواضعاً ، خرج مع أخويه في الله إلى مكة للعمرة والمجاورة ليالي العشر، يقول أحدهما: لما صلينا ليلة سبعٍ وعشرين على جملة من الجنائز التفت إليّ فهد وقال: على كثرة من نصلي عليهم لم نتّبع جنازةً واحدةً ، وما رأينا المقابر التي يدفنون فيها ، فما رأيك أن نتبع الجنازة؟ فاعتذرت منه ، فقام من عندي وتبع الجنائز ، ثم جاء وشرح لي ما رأى في مقبرة المعلاة التي صارت مثواه ثاني أيام عيد الفطر المبارك ، أي بعد خمسة أيام من أول زيارة له للمقبرة بمكة .<br />
وفي الليلة التي خرجوا فيها مسافرين كان آخر شيء دخل أجواف الثلاثة ماء زمزم.</p>
<p>رؤي في المنام بعد موته وهو يجلس على كرسي من ذهب ورأته إحداهن وقد قدم له صينية فيها كأس ماء وكأس لبن فاختار اللبن وقال : شربت ماءً قبل قليل ولم تكن تعلم بأن آخر شربة له كانت من زمزم.<br />
<span style="color: #993300;">لقد مات أبو هيثم فهد بن مزيد المزيد وفي جوفه ماء زمزم، فرحمه الله وغفر له وأخلفه في ذريته خيراً.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: left;">كتبه : محمد بن عبد العزيز الخضيري .<br />
30/9/1433</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%8a%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>فَهُوَ يُخلِفُهُ</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%81%d9%8e%d9%87%d9%8f%d9%88%d9%8e-%d9%8a%d9%8f%d8%ae%d9%84%d9%90%d9%81%d9%8f%d9%87%d9%8f/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%81%d9%8e%d9%87%d9%8f%d9%88%d9%8e-%d9%8a%d9%8f%d8%ae%d9%84%d9%90%d9%81%d9%8f%d9%87%d9%8f/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 21:06:21 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=344</guid>
		<description><![CDATA[&#160; خالد من طلابي، كنا نلتقي في مقر النشاط في كلية المعلمين بالرياض وكانت ذكرياته مع أصحابه في النشاط ذكريات لا تنسى، جلسات ! ودروس ! وحلقات ! ورحلات ! تخرج وافترقنا ولم ألتقه إلا قريباً، سألته عن أخباره وأحواله فبشرني بخير، سألته عن التدريس، أخبرني أنه درس ثماني سنين بعد تخرجه ثم استقال واتجه...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>خالد من طلابي، كنا نلتقي في مقر النشاط في كلية المعلمين بالرياض وكانت ذكرياته مع أصحابه في النشاط ذكريات لا تنسى، جلسات ! ودروس ! وحلقات ! ورحلات ! تخرج وافترقنا ولم ألتقه إلا قريباً، سألته عن أخباره وأحواله فبشرني بخير، سألته عن التدريس، أخبرني أنه درس ثماني سنين بعد تخرجه ثم استقال واتجه إلى الأعمال الحرة وبشرني بأن الله رزقه وفتح عليه، ثم أخبرني أن أعظم أسباب كثرة الرزق لديه: الصدقة وبذل المال في وجوه الخير بسخاء نفس وحسن ظن بالله وأنه رأى من آثارها وبركتها وسرعة الخلف فيها ما جعله عظيم الثقة بربه مبسوط اليد في الخير لا يندم على مال ذهب في جهة خير ولو كثر .</p>
<p>قلت له : حدثني بشيء مما رأيت</p>
<p>قال : &#8221; القصص كثيرة فَخُذْ هذه :</p>
<p>&#8220;تسلمت مكافأتي من الكلية ومقدارها 1000 ريال وملأت سيارتي بالوقود تعبيراً عن الغنى الذي أرفُل فيه ذلك اليوم ثم توجهت لحضور محاضرة في أحد الأندية عن أحوال المسلمين المنكوبين، قبل أزمة منع جمع التبرعات، كان المحاضر متأثراً وكان كلامه مؤثراً، وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون وتحركت لأجلها القلوب.&#8221;<br />
قال صاحبي: &#8221; &#8220;وبلغ بي التأثر أن أخرجت جميع ما في جيبي مُؤثراً إخواني، وكان ألفاً من الريالات إلا قليلاً.<br />
ركبت سيارتي وكنت أنوي التوجه لأصحابي الذين تواعدوا على الاجتماع للعشاء في الخلاء لكن منعني من ذلك أن ليس في جيبي شيء حتى أشارك في العشاء وتكاليف الرحلة، لذا قررت أن أيمم شطر بيتي.</p>
<p>عندما أوقفت السيارة قِبالة دارنا خرج جارنا وهو يسأل عن اثنين من أولاده يقول لي : هل رأيتهما ؟</p>
<p>قلت له : لم أرهما ولكن أنا مكانهما فأخبرني بحاجتك أقضِها لك.</p>
<p>قال : حسناً، اذهب بي إلى مكتب العقار، ذهبنا سوياً، نزل وطلب مصاحبته .</p>
<p>جلس إلى صاحب المكتب فتبايعا وعقدا صفقتهما وكنت لا أعيرهما اهتماماً ؛ لأني حضرت لأجل جارنا لا غير.</p>
<p>سمعت الجار يقول: وهذا شريك في سعي العقار ولا بد من إعطائه نصيبه.</p>
<p>يقول صاحبي : اعترضت قائلاً : يا عم؛ إنما جئت لأجلك لا لشيء آخر .</p>
<p>فقال الشيخ: إذا وافقك الرزق فوافقه. وألح عليّ بالقبول فوافقت، فوضعوا بيدي شيكاً قيمته عشرة آلاف ريال !</p>
<p>(<span style="color: rgb(0, 0, 128);">تصوروا الرقم ، إنه عشرة أضعاف المبلغ الذي أخرجه قبل ساعة أو أقل</span> )</p>
<p>عندما أصبحت فكرت أن أشتري بالمبلغ شيئين الأول عود هندي من النوع الفاخر والثاني مشلح رجالي ونويت أن أعطي والدي – رحمه الله – المشلح ونصف الكمية من العود وأعطي جارنا جزاء ما صنع النصف الباقي من العود الفاخر.</p>
<p>وقد فعلت ذلك بحمد الله وانتهى المبلغ بتمامه .</p>
<p>أما الجار فشكرني ، وأما الوالد فسألني ما قصة هذه الهدية ؟ ومن أين لك المال؟</p>
<p>فأخبرته، ففرح ودعا لي .</p>
<p>في نهاية الأسبوع قال لي والدي: ابحث لي عن محطة وقود لأشتريها،فطفت على المكاتب العقارية فأحضرت له أربعة عروض مع كل عرض سعره وميزاته فوقع اختياره على أحدها وطلب مني مقابلة صاحب مكتب العقار للتفاوض، وبالفعل، اجتمعا وتفاوضا ثم تبايعا، وعندها قال والدي _ دون علمي _ لصاحب المكتب : ابني هذا شريك لك في السعي فأعطه سعايته، فبلغ نصيبي مائة ألف وكتبوا شيكا بذلك وسلموه لي .</p>
<p>مثل هذا المبلغ لا أحلم به ، ولم يجتمع في جيبي قبلها إلا بضع مئات .</p>
<p><span style="color: #000080;">تذكروا يا أحبة : ألف ، صارت عشرة آلاف, وفي نهاية الأسبوع أصبحت مائة ألف.</span> <span style="color: #333399;"><strong>وما عند الله خير وأبقى .</strong></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>{ <span style="color: #339966;">وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ </span>} سبأ 29</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>حملني خالد أن أنقل قصته إليكم لعلكم تنتفعون بها ، فيكسب أجرها وينال ثواب الاقتداء .</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%81%d9%8e%d9%87%d9%8f%d9%88%d9%8e-%d9%8a%d9%8f%d8%ae%d9%84%d9%90%d9%81%d9%8f%d9%87%d9%8f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>فضل الله واسع &#8211; قصة فيها عبر.</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%b9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%81%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%b1/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%b9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%81%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%b1/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 20:56:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=342</guid>
		<description><![CDATA[مرت بهم وهم يسقفون المسجد فاشتاقت لمشاركتهم ولكنها ضعيفة الحال قليلة المال. ففكرت أن تصنع زنبيلا يستعملونه في بناء المسجد. هذا كل الذي تقدر عليه. فصنعته ثم جاءت به للأستاذ (لقب لرئيس العمال) فأبى أن يأخذه لأن صاحب المسجد اشترط عليه أن لا يدخل في المسجد شيئا من غير ماله ويريده خالصا له. قالت بكل...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>مرت بهم وهم يسقفون المسجد فاشتاقت لمشاركتهم ولكنها ضعيفة الحال قليلة المال. ففكرت أن تصنع زنبيلا يستعملونه في بناء المسجد. هذا كل الذي تقدر عليه. فصنعته ثم جاءت به للأستاذ (لقب لرئيس العمال) فأبى أن يأخذه لأن صاحب المسجد اشترط عليه أن لا يدخل في المسجد شيئا من غير ماله ويريده خالصا له.</p>
<p>قالت بكل تودد: هذا زنبيل تحملون به الطين تنتفعون به ولا يدخل في المسجد .فرحمها وأخذه منها. عندما فتح المسجد رأى باني المسجد في منامه أن له قصرا جميلا في بستان لم ير مثله في الدنيا، ورأى آخر بجواره يشبهه لكنه ليس له .فعلم أن أحدا شاركه في بناء المسجد وأنه أعطي مثل أجره. فسأل رئيس العمال: هل تلقيت من أحد شيئا؟ فحلف أنه لم يدخل في بناء المسجد أحدا. ثم استدرك فقال : إلا ما كان من أم فلان فإنها جاءت بزنبيل وقص عليه الخبر.</p>
<p>فذهب المحسن إلى المرأة وقال لها: سمعت بأنك شاركت بزنبيل في المسجد وأريد أن أعطيك ثمنه. فأبت أن تقبل. فألح عليها. فقالت له : اسمع يافلان : إن كنت رأيت شيئا في منامك فإني رأيت مثله. <span style="color: #993300;">ووالله لا أبيع نصيبي ولا أرضى بالدنيا عوضا عنه</span>، فلا تتعب نفسك.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%b9-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d9%81%d9%8a%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>علم المناسبات في القرآن</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 20:51:06 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=339</guid>
		<description><![CDATA[&#160; من المألوف لدى كل قارئ لكتب التفسير أن يجد المفسِّر يكاد ألاَّ يغفل عن ذكر المناسبة بين الآية والتي بعدها، أو السورة والتي تليها، أو الحكم وما قارنه من أسماء الله وصـفـاتـــه، ونحــو ذلـك، ولـم يـدُرْ بخلـد كثير من القراء أن هذا العلم علم عظيم حظي بعناية العلماء واهتمامهم وأفردوا له المؤلفات تحقيقاً أو...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>من المألوف لدى كل قارئ لكتب التفسير أن يجد المفسِّر يكاد ألاَّ يغفل عن ذكر المناسبة بين الآية والتي بعدها، أو السورة والتي تليها، أو الحكم وما قارنه من أسماء الله وصـفـاتـــه، ونحــو ذلـك، ولـم يـدُرْ بخلـد كثير من القراء أن هذا العلم علم عظيم حظي بعناية العلماء واهتمامهم وأفردوا له المؤلفات تحقيقاً أو تطبيقاً.</p>
<p>وفيما يلي ـ أخي القارئ ـ إطلالـــــة عابرة تبين لك جوانب هذا العلم، وتعرفك بمقاصده، وتكشف لك أنواعه وتاريخه وأهم المؤلفات فيه .</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #0000ff;">تعريفه:</span></strong></p>
<p>المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة (الإتقان للسيوطي ،2/139.).</p>
<p>ويعــرف اصطلاحاً بأنه: علم تعرف به وجوه ارتباط أجزاء القرآن بعضها ببعض، وقولُنا: (أجزاء القرآن) شامل للآية مع الآية، والحكم مع الحكم، والسورة مع السورة، والقصة مع القصة، وكل جزء من القرآن مع ما قارنه.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #0000ff;">أهميته وأقوال العلماء فيه:</span></strong></p>
<p>لقد أبان العلماء فيما سطروه بجلاءٍ عــــن أهمية هذ العلم وعظيم الفائدة بمعرفته حتى قال الفخر الرازي: &#8220;أكثر لطائف القرآن مودَعة في الترتيبات والروابط&#8221;( انظره في: البرهان، للزركشي، 36، والإتقان 2/138.).</p>
<p>وقال الزركشي: &#8220;واعلم أن المناسبة علم شـريــف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول&#8221;( البرهان: 35.).</p>
<p>أمــــا القاضي أبو بكر بن العربي فقد كشف عن منزلة هذا العلم بقوله: &#8220;ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة متسعة المعاني، منتظمة المباني&#8230; علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله ـ عز وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلَةً ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه&#8221;( البرهان:36، وانظر الإتقان: 2/136.).</p>
<p>وقال الرازي: &#8220;علم المناسبات علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول&#8221;( البرهان: 35.).</p>
<p>وقال في تفسير سورة البقرة: &#8220;ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن الـقــــرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً بسبب ترتيبه ونظم آياته&#8221;( نظم الدرر: 1/9، والإتقان:2/138.).</p>
<p>وقال البقاعي مبيناً فائدة جليلة من فوائد معرفة هذا العلم: &#8220;وبهذا العلم: يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب؛ وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقتين:</p>
<p><span style="color: #333399;">إحداهما:</span> نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب.</p>
<p><span style="color: #333399;">والثانية:</span> نظمها مع تاليتها بالنظر إلى الترتيب. والأول أقرب تناولاً وأسهل ذوقاً؛ فإن كل من سمع القرآن مـن ذكـي وغـبـي يـهـتــز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره، ثم إذا عـبـر الفطن من ذلك إلى تأمُّل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظن أنها متنافرة، فحصل له من القبض والكـــرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزّ والبسط، ربما شككه ذلك وزلزل إيمانه؛ فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوقوف بأنه في الذروة من إحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى، فانفتح له ذلك الباب، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص الفكر منه طرباً وشاط لعظمة ذلك جنانه، ورسخ من غير مرية إيمانه&#8221;(نظم الدرر: 1/10ـ12).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #0000ff;">أول من أظهره، وأهم المؤلفات فيه:</span></strong></p>
<p>يعد العلـمـاء أبا بكر النيسابوري (ت 324هـ) أول من أظهر علم المناسبات في بغداد، وكان يزري على عـلـماء بغداد لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان إذا قرئت عليه آية أو سورة يقول: لِمَ جُعلت هذه الآية إلى هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة (انظر: البرهان، للزركشي: 36).</p>
<p>وهذه الأولية إنما هي باعتبار شدة العناية والتعليم؛ وإلا فالمتتبع لتفاسير السلف حتى من الصحابة يجدهم يتحدثون أحياناً عن المناسبات في بعض المواطن وإن كانت قليلة.</p>
<p>وقد ذكرنا آنفاً كلمة ابن العربي حين تكلم في هذا العلم وشكواه من بطالة النقلة.</p>
<p>أما المؤلفات فيه فهي على ثلاثة أقسام:</p>
<p><span style="color: #008000;">القسم الأول: من أفرده بالتصنيف،</span> ومن أشهرهم:</p>
<p><span style="color: #339966;">1 &#8211;</span> أبو جعفر بن الزبير الأندلسي ( ت 807 هـ) في كتابه: &#8220;البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن&#8221;.</p>
<p><span style="color: #339966;">2 &#8211;</span> السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه: &#8220;تناسق الدرر في تناسب السور&#8221;.</p>
<p><span style="color: #339966;">3 &#8211;</span> عبد الله الغُمَاري في كتابه: &#8220;جواهر البيان في تناسب سور القرآن&#8221;.</p>
<p>وأعظم من كتب في هذا العلم وأشفى على الغاية القصوى فيه، وغدا مرجعاً لا يستغنى عنه فـيـه هـــــــو برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) في كتابه: &#8220;نظم الدرر في تناسب الآيات والسور&#8221; حـيــــث ذكر المناسبات بين آيات القرآن وسوره كلها وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلداً.</p>
<p><span style="color: #008000;">الـقـســم الثاني: الذين جعلوه نوعاً من علوم القرآن الكريم وتحدثوا عنه في باب من كتبهم،</span> ومن أشهرهم:</p>
<p><span style="color: #339966;">1 &#8211;</span> الزركشي في كتابه: &#8220;البرهان في علوم القرآن&#8221; فقد جعله النوع الثاني من كتابه الكبير.</p>
<p><span style="color: #339966;">2 &#8211;</span> السيوطي في كتابه: &#8220;الإتقان&#8221; وقد جعله في النوع الثاني والستين.</p>
<p><span style="color: #008000;">القسم الثالث: الـمـفـسـرون الـذين عُنُوا بذكر المناسبات في تفاسيرهم،</span> ومن أشهرهم:</p>
<p><span style="color: #339966;">1-</span> الفخر الرازي في تفسيره الكبير: &#8220;مفاتيح الغيب&#8221;.</p>
<p><span style="color: #339966;">2-</span> أبو السعود في تفسيره: &#8220;إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم&#8221;.</p>
<p><span style="color: #339966;">3-</span> سيد قطب في كتابه: &#8220;في ظلال القرآن&#8221; حيث كان يفتتح تفسير السورة بذكر موضوعها العام، ثم يربط بين مقاطع السورة على ضوء ما ذكره من موضوعها وجوّها العام.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="text-decoration: underline;"><strong><span style="color: #0000ff; text-decoration: underline;">فوائد هذا العلم:</span> </strong></span></p>
<p>لهذا العلم فوائد، ومن أهمها:</p>
<p><span style="color: #666699;">1-</span> أنه يزيل الشك الحاصل في القلب بسبب عدم التأمل في دقة النظم وإحكام الترتيب، وقد تقدم كلام البقاعي في هذه القضية (البرهان:36.).</p>
<p><span style="color: #666699;">2 &#8211;</span> أنـــه يـفـيــد في معرفة أسرار التشـريع وحِكَم الأحكام وإدراك مدى التلازم التام بين أحكام الشريعة؛ فـإذا قرأت قوله ـ تعـالـى ـ: ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم)) [النور: 30] وتعرفت على المناسبة بين الأمر بغض البصر وحفظ الفرج علمت ما بينهما من التلازم والتلاؤم؛ فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، ومن أطلق بصره في الحرام فحري أن تزلَّ قدمه في الآثام.</p>
<p><span style="color: #666699;">3-</span> أنه يعين على فهم معنى الآيات وتحديد المــراد منهــا، ومــن ذلك: خلاف المفسرين في معنى قوله ـ تعالى ـ : ((والصافات صفا)) [الصافات: 1]، فقال قوم: هي الملائكة، وهذا قول الجمهور، وقـال آخــــرون: هي الطير، والصـحـيــح الأول؛ وذلك لأنا لو بحثنا عن المناسبة بين أول السورة وخاتمتها لوجدناه ذكر في الخاتمـة في معرض حديث الملائكة عن أنفسهم: ((وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون)) [الصافات: 165، 166].</p>
<p><span style="color: #666699;">4-</span> وبه يتبين لك سر التكرار في قصص القرآن، وأن كل قصة أعيدت في موطن فلمناسبتها ذلـك الـمـوطــن، ولذلك ترى اختلافاً في ترتيب القصة ونظمها بحسب المناسبة وإن كانت متحدة في أصل المعنى(نظم الدرر: 1/14).</p>
<p><strong><span style="color: #0000ff;">قواعد في علم المناسبات:</span></strong></p>
<p>عـلم المناسبات كغيره من العلوم له قواعد وضوابط ينطلق منها المتحدثون فيه، ومنها:</p>
<p><span style="color: #808000;">الأولى:</span> في كيفية التعرف على المناسبات في السورة جملة:</p>
<p>قــال المشرالي المغربي: &#8220;الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تـنـظـر الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتـنـظــــر عـنـد انـجـرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابـعـــة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها؛ فهذا هـــــو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك ـ إن شاء الله ـ وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة&#8221; (نقله السيوطي في الإتقان 2/141 عن بعض المتأخرين).</p>
<p>وقد لخص البقاعي تجربته فـي الـتـعــرف على المناسبة فقال: &#8220;تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فـيـهـــا، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو&#8221; ( نظم الدرر:1/6.).</p>
<p>والـمـتأمل لما كتبه سيد قطب في ـ ظلاله ـ يجده سار على هذا المنوال في بيان أوجه الربط بين مقاطع السورة.</p>
<p><span style="color: #808000;">الثانية:</span> قال الزركـشي: &#8220;وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً؛ ليكون ذلـك باعثاً على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه؛ ليُعلم عظم الآمر والناهي، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك&#8221; ( البرهان:40.).</p>
<p><span style="color: #808000;">الثالثة:</span> المزاوجة بين الوعد والوعيد، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب؛ وفي ذلك من الحكمة والمناسبة ما هو بيِّن لكل متأمل.</p>
<p><span style="color: #808000;">الرابعة:</span> قال السيوطي: إن عـــادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد؛ حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الـكـتـاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال فـي سورة الكهف: ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه&#8230;)) [الكهف: 49] إلى أن قال:((ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل&#8230; )) [الكهف: 54].</p>
<p>والقواعد في هذا الباب كثيرة ومثيرة، وليس هذا موطن استقصائها.</p>
<p><strong><span style="color: #0000ff;">أنواع المناسبات:</span></strong> (انظر: مباحث في التفسير الموضوعي: 68 وما بعدها)</p>
<p>للمناسبات في القرآن ثلاثة أنواع:</p>
<p><span style="color: #808080;">الأول: المناسبات في السورة الواحدة.</span></p>
<p><span style="color: #808080;">الثاني: المناسبات بين السورتين.</span></p>
<p><span style="color: #808080;">الثالث: مناسبات عامة.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>ولـكــل نــــوع من هذه الأنواع أقسام كثيرة وسنقتصر في هذه العجالة على بعضٍ منها، مما يتضح به المقصود وينفتح به الباب للطالب الراغب.</p>
<p><span style="color: #808080;">النوع الأول: المناسبات في السورة الواحدة،</span> ويتضمن أقساماً، ومنها:</p>
<p><span style="color: #333399;">أولاً: المناسبة بين أول السورة وخاتمتها:</span></p>
<p>مثاله: قوله ـ تعالى ـ: في أول ســـورة البقرة: ((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) [البقرة: 3]، ثم قال في آخر السورة: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله&#8230; ))[البقرة: 285] فهو في أول السورة يذكر صفات المتقين التي يتميزون بها وفـي آخــــر السورة يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه قد امتثلوا تلك الصفات وتحلوا بها.</p>
<p>مـثـال آخــــــر: في سورة (المؤمنون) افتتح السورة بذكر فلاح المؤمنين ((قد أفلح المؤمنون)) [المؤمنون: 1]، واختتمها بنفي فلاح الكافرين ((ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون)) [المؤمنون: 117].</p>
<p><span style="color: #333399;">ثانياً: المناسبة بين الآية والتي تليها:</span></p>
<p>مـثـالـــه: قوله ـ تعالى ـ: إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة: 5 فإنه لما ذكر في أول السورة استحقـاق الله ـ تـعــالى ـ لكل المحامد، وكونه رباً للعالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مع كل هذا الملك المتصـرف في اليوم الذي لا ملك فيه لأحد إلا لله.. كان من شأن كل عاقل أن يُقبِل على مَنْ هذه صـفـاتــه وتلك عظمته معترفاً بالعبودية له والذل الكامل لجنابه العظيم ملتجئاً إليه طالباً منه العون والمدد، ثم إنه لما حمد وأثنى ومجّد واعترف بالعبودية ناسب أن يستشرف للطلب من ذلك الرب المستعان، فيقول: ((اهدنا الصراط المستقيم)) [الفاتحة: 6].</p>
<p><span style="color: #333399;">ثالثاً: المناسبة بين حكمين في الآيات أو الآية:</span></p>
<p>وذلك كما في آيــات الاستئذان حين أعقبها بالأمـر بغض البصر؛ فإن الاستئذان إنما جعـل مــن أجــل أن لا يقع بصر المستأذن على عورة، ولو صادف أن وقع فإن على المستأذن أن يـغـــض البصر، ثم إن العلاقة بين الحكمين بيِّنة؛ إذ فيهما ذكر ما تكون به العفة وحفظ العورات في المجتمع المسلم.</p>
<p>والمناسبة بين الأمر بحفظ الفرج والأمر بغض البصر تقدمت ـ فيما سبق ـ، وهما حكمان في آية واحدة.</p>
<p><span style="color: #333399;">رابعاً: المناسبة بين اسم السورة ومضمونها:</span></p>
<p>مثاله: المناسبة بين مضمون سورة الكهف واسمها؛ فإن السورة قد ذكرت أنواع الفتن التي تمر بالمرء؛ إذ ذكرت فيها الفتنة في الدين في قصة الفتية، وفتنة الجلساء في قوله:((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي&#8230;)) [الكهف: 28]، وفـتـنــــة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم فـي قــصـة مـوسـى والخـضـــر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، وفتنة القوة والكثرة في خبر يأجوج ومأجوج، وذكرت هذه السورة المخرج من كل واحدة من هذه الفتن؛ فكأنها كهف لمن اعتصم بها من الفتن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : &#8220;من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال&#8221;( رواه مسلم،ح/809.).</p>
<p><span style="color: #808080;">النوع الثاني: المناسبات بين السورتين:</span> ويتضمن أقساماً منها:</p>
<p><span style="color: #000080;">أولاً: المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمة التي قبلها:</span></p>
<p>مثاله: في آخر سـورة الإســــراء قـال تـعـالـى: ((وقــل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا&#8230;)) [الإسراء: 111]، وفي أول سورة الكهف التي تليها قال: ((الـحـمـد لله الـذي أنـزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا&#8230; )) [الكهف: 1].</p>
<p>مثال آخر: في آخر سورة الطور قال: ((ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم)) [الطور: 49]، وفي أول سورة النجم قال: ((والنجم إذا هوى)) [النجم: 1].</p>
<p><span style="color: #000080;">ثانياً: المناسبة بين مضمون السورة والتي تليها:</span></p>
<p>مثاله: في سورة الضحى ذكرٌ للـنـعـم الحـسـيـة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سورة الشرح ذكر للنعم المعنوية عليه.</p>
<p>مثال آخر: في ســورة الـبـقــــرة ذكـــر للطوائـف الثلاث: المنعم عليهم ويمثلهم المسلمون، والمغضوب عليهم ويمثلهم اليهود، والـضــالـون ويمثلهم النصارى. وقد ذكر في سورة البقرة الطائفتين الأوليين بما هو ظاهر، وفي سورة آل عمــران ذكر الطائفة الثالثة فيما يزيد على &#8220;120&#8221; آية من أولها.</p>
<p><span style="color: #808080;">النوع الثالث: مـنـاسبات عامة:</span></p>
<p>وهي المناسبات التي يذكرها العلماء مطلقة في القرآن وهي كثيرة جداً أذكر منها نموذجاً للبيان.</p>
<p>&#8211; افتُتحت سورتان بقوله: يا أيها الناس وهما: سورتا النساء، والحج، وذكر في الأولى بدء الخلق والحياة للإنسان: ((يا أيـهـــا الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)) [النساء: 1]، وفـي سـورة الحج ذكر لنهاية هذه الحياة وبداية حياة أخرى: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)) [الحج: 1].</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong><span style="color: #993300;">شبهة وجوابها:</span></strong></p>
<p>قد يـقـــول قـائـــل: كيف تطلب المناسبات بين الآيات والسور علماً بأنها نزلت مفرقة كل واحدة منها في زمن يخالف زمن الأخرى، وفي قضية مغايرة لمضمون ما جاورها؟ وقد أجاب عن هذا التساؤل الزركشي فيما نقله عن بعض مشايخه المحققين فقال: &#8220;قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة؛ وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً؛ فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف&#8221; ( البرهان:37.).</p>
<p>ويزيد هذا الجـــــواب إيضاحاً الشيخ محمد عبد الله دراز فيقول: &#8220;إن كانت بعد تنزيلها جمعت عن تفريق فـلـقـــــد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائماً على قواعده فلما أريد نقله بصـــورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته ثم فُرِّق أنقاضاً، فلم تلبث كل لبنة أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصاً يشد بعضه بعضاً كهيئته أول مرة&#8221; ( مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، 57.).</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="color: #666699;">وبعدُ ـ أخي القارئ ـ فهذه كلمات وجيزة أردت بها تعريفك بعلم تفيدك معرفته والاطلاع على حقيقته، واللهَ أسأل أن أكون موفقاً في بلوغ الهدف وتحقيق المقصود.</span></p>
<p><span style="color: #666699;"> </span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>دعوة إبراهيم عليه السلام في القرآن</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 20:33:39 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=336</guid>
		<description><![CDATA[&#160; إن الدعوة إلى الله &#8211; تعالى &#8211; طريق الأنبياء &#8211; عليهم السلام &#8211; وأتباعهم كما قال &#8211; تعالى -: ((قُلْ هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ)). وكان مما اعتنى به الـقـرآن الكريم ذكر قصص دعوات الأنبياء، وتصويرها بأبلغ أسلوب، وعـرضـهـا بأدق عبارة، حـتـى أصـبـحــت...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>إن الدعوة إلى الله &#8211; تعالى &#8211; طريق الأنبياء &#8211; عليهم السلام &#8211; وأتباعهم كما قال &#8211; تعالى -: ((قُلْ هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ)).</p>
<p>وكان مما اعتنى به الـقـرآن الكريم ذكر قصص دعوات الأنبياء، وتصويرها بأبلغ أسلوب، وعـرضـهـا بأدق عبارة، حـتـى أصـبـحــت أخبارهم في القرآن نماذج حيّة يحتذيها الدعاة ويقتبسون مـن نـورها، ويهتدون بهـــداها ((أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)). وقد اخترنا دراسة موضـوع الدعوة إلى الله من خلال قصة إمام الحنفاء وأبي الأنبياء إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; ولم يكن اختياري لهذه الدعوة جزافاً بل لأسباب أوجزها فيما يلي:</p>
<p><span style="color: #333399;">أولاً:</span> أنها دعوة خليل الرحمن، ومؤسس الحنيفية، وأحد أولي العزم الخمسة من الرسل.</p>
<p><span style="color: #333399;">ثانياً:</span> أن رسولنا محـمــداً &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; قد أمر باتباع ملته ((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ)).</p>
<p><span style="color: #333399;">ثالثاً:</span> تلك الصفات العظيمة التي تحلى بها إبراهيم حتى قال الله &#8211; تعالى &#8211; فيه ((.. وإبْرَاهِيمَ الَذِي وفَّى)) فكانت نبراساً يقتفى أثره فيها الدعاة إلى الله.</p>
<p><span style="color: #333399;">رابعاً:</span> استغراق القرآن واستقصاؤه لأساليب إبراهيم المتنوعة في عرض دعوته على قومه، حتى إنه ليعز على الباحث أن يجد لنبي من الأنبياء خلا نبينا &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; مثلما يجد لهذه الأيام من الطرائق والسبل في إقناع المدعوين وترويضهم على قبول الدعوة. ولا غرو فقد سنَّ للناس من بعده من الدعوة أساليب لم تعهد لأحد من قبله ولم تقف عند حد الكلمة بل تخطتها إلى الحركة والفعل.</p>
<p><span style="color: #333399;">خامساً:</span> رسمت هذه الدعـــوة للدعاة منهاجاً في الصبر يحق لهم أن يقتدوا به، فقد صبر إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; في أحــــوال مختلفة وظروف متباينة وأعمال متنوعة كالصبر على جفاء الأبوة، وعدوان العشيرة، وهجران الأرض، والفتنة بالنار، والأمر بذبح الولد، وغير ذلك.<br />
وسنعرض الموضوع من خلال نماذج من صفات إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; الدعوية وأساليبه في نشر دعوته.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3>
<strong><span style="color: #000080;">نماذج من صفات إبراهيم الدعوية:</span></strong></h3>
<p>لن يتسع المقام لحصر تلك الصفات التي اتسم بها إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; فلقد وصفه ربه بأنه وفّي جميع مقامات العبد مع ربه ولذلك سنقـتـصـر. على جملة من الصفات ونخص بالذكر منها ما له صلة ظاهرة بدعوته، وله أثر ظاهر في الاهتداء والاقتداء به.</p>
<p><span style="color: #003300;">1- أمة:</span><br />
قال &#8211; تعالى -: ((إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً..)) وهذه الكلمة تأتي لعدة معان، منها الجماعة ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً))، ومنها الزمان والحين ((وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ)) ومنها: الرجل الجامــــع لخـصـال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا عـلـى عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق حري بأن يحتذي به الدعاة في حـيـاتهم وتزكية أنفسهم، واجتهاد أحدهم في تقويم أخلاقه والنشاط في دعوته ليقوم مقام أمة في ذلك. وقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير.</p>
<p><span style="color: #003300;">2- قانت:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى -: ((إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً))، والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وكـذا يجب أن يكون الداعية ملازماً لطاعة الله على كل حال، فلا يكون كالمنبت يجتهد حتى تكلّ راحلته، ثم ينقطع، بل يلازم ويستقيم.</p>
<p><span style="color: #003300;">3- حنيفاً:</span></p>
<p>والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده. والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل.<br />
قال ابن كثير: الحـنـيـف: الـمنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد. وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال &#8211; تعالى -: ((ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ))، وقال: ((ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ))، وهكذا فليكن أولياء الله.</p>
<p><span style="color: #003300;">4- شاكر:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى -: ((شَاكِراً لأَنْعُمِهِ)) أي قائماً بشكر نعم الله عليه (وأصل الشكر) ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهوراً بيناً. يقال: شكرت الدابة: أي سمنت وظهر عليها العلف، وكذلك حقيقته في العبودية: وهذا ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة. والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه، وأن لا يستعملها فيما يكره(1)، وقد كان ذلك من إبراهيم &#8211; عليه السلام -.</p>
<p><span style="color: #003300;">5- الحلم:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى -: ((إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)).<br />
والحلم: ضبط النفس والطبع عـن الهـيـجـان عـنـد الاستثارة. والحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه ((لأَرْجُمَنَّكَ)) ومن الـعـتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال: ((فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ))، ولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن الـمـنـكـر بـل كــان يعلن الحق وينكر الباطل ((وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)).</p>
<p><span style="color: #003300;">6- أوّاه:</span></p>
<p>قال الراغب الأصفهاني: &#8220;الذي يكثر التأوه وهو أن يقول: أوّه وكل كلام يدل على حزن يقال له التأوّه، ويعبر بالأوّاه، عمن يظهر خشية الله &#8211; تعالى -&#8220;(*)، والذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم ((رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ))وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.</p>
<p><span style="color: #003300;">7- السخاء:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى -: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)) فذكر أن الضـيـف مكـرمـون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مـع أنهم قـوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلاً واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوباً لضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال: ((أَلا تَأْكُلُونَ)). قال ابن القيم: &#8220;فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تَخَلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين&#8221;(2).</p>
<p><span style="color: #003300;">8- الصبر:</span></p>
<p>كان إبراهيم مثلاً يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; أن يصبر كصبرهم ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)). وكان صبر إبراهيم شاملاً لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله.</p>
<p><span style="color: #003300;">9- رعايته لأهله:</span></p>
<p>لم يكن إبراهيم ممن يلتفت إلى الـنــاس بدعوته ويترك أهله، بل بدأ بهم وخصهم بمزيد الرعاية والعناية وقد قال الله لمحمد &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; ((وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) وكذلك كان إبراهيم، فدعا أباه ((يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ))، ووصى أبناءه بالتمسك بالدين ((ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ..))، وكان يدعو ((واجْنُبْـنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))، ويتضرع بقوله: ((رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بـِـوَادٍ غَـيـْـرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)).</p>
<p><span style="color: #003300;">10- شجاعته:</span></p>
<p>واجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسماً: ((وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ))، وقوله لهم: ((أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ..)).<br />
وكان ذلك لعلم إبراهيم بأن معه القوة التي لا تـهــزم، وأن مــا أصابه لم يكن يخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فرسم للدعاة منهجاً في الشجاعة المنضبطة بضوابط الشرع بلا تهور يحتذونه في مواجهة الباطل من إقرار الحق.</p>
<p><span style="color: #003300;">11- تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى &#8211; عن ((فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي))، وقال: ((وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ)) فكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكـل ولـي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبـراهـيـم فـي ذلـك: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِـنـكُمْ ومـِـمَّــا تَـعْـبُـدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ..)).</p>
<p><span style="color: #003300;">12- سلامة القلب:</span></p>
<p>قال &#8211; تعالى -: ((وإنَّ مِن شِـيـعَـتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) وسلامة القلب نوعان: كـلاهـما داخل في مضمون الآية، أحدهما: فـي حــق الله وهــو سـلامــة قلبه من الشرك، وإخلاصــه العبودية لله، وصدق التوكل عليه. والثاني: في حق المخلوقـيـن بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك.<br />
وبعد فـهــذه جملة مختصرة من الصفات الدعوية لإبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; سائلاً الله &#8211; تعالى &#8211; أن يوفقنا لاتباع ملته والسير على منهجه وبالله التوفيق.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong><span style="color: #000080;">مراحل دعوة إبراهيم</span></strong></h3>
<p>ذكر القرآن الكريم لدعوة إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; ثلاث مراحل، نوجزها فيما يلي:</p>
<p><span style="color: #0000ff;">المرحلة الأولى:</span></p>
<p>دعوته لأبيه، وقد صورتها أبـلـغ تـصـويـر آيـــات سـورة مريم حيث يقول الله &#8211; جل وعلا &#8211; ((واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً (41) إذْ قَـــالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَـاءَنِــــي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياً (43) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطـَـانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِياً (44) يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ ولـِـيـــاً (45) قَـالَ أَرَاغِـــبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِياً (46) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِياً (47) وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِياً))[مريم41 / 48].</p>
<p>لقد كانت كلمات إبراهيم تفيض حناناً وشفقة وتتدفق عطفاً ورقة، فبيّن لأبيه أن ما يعبده فاقد لأوصاف الربوبية من السمع والبصر فضلاً عن الخلق فكيف يضر أو ينفع ثم أردف ذلك بـبـيـان ما قد أوتيه من علم وحكمة وأن دعوته فد بنيت عليهما ففي اتباعه سلوك الصراط السوي، ثم حذره من عدو البشرية الذي تلبس بمعصية الرحمن فهو جدير بأن يتخذ عدواً وأن لا يطاع بل يعصى، ثم أعلمه بشدة خوفه عليه من أن يمسه مجرد مس عذاب من الرحمن فيكون ولياً للشيطان، وأمام هذه الدعوة الحانية الرفيقة المتزنة نسمع عبارات الأب الفـجـــة الغليظة التي تمثل صورة التقليد الأعمى وإغلاق القلب عن النظر والتأمل، ومع ذلك كله فإن الابن البار لم يواجه تلك السيئة إلا بالتي هي أحسن (سلام عليك) كحال عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا: (سلاماً) بل وعد بالاستغفار لأبيه، وذلك قبل أن يتبين له أنه عدو لله ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)) ثم قرر اعتزاله ليراجع الأب نفسه، ولينأى إبراهيم بنفسه عن الشر ومواطنه، وكانت رحمة الله لإبراهيم أن عوضه بأبناء صالحين بررة عن أولئك القوم الفجرة.</p>
<p><span style="color: #0000ff;">المرحلة الثانية:</span></p>
<p>دعوته لقومه. بعد أن دعا إبراهيم أباه لقربه توجه بالدعوة إلـى قومه، وكانوا فيما قبل قسمان، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكب ويصورون أصناماً على صورها يعبدونها ويعكفون عليها، وعلى أي، فقد أبطل كلا المعبودين بالأدلة القطعية وبين وهاء ما هم عليه من العـبــــادة، وبدأهم بالدعوة إلى توحيد الله بالعبادة وتقواه وبين لهم أن ما يعبدون ما هو إلا إفك مفترى، وأنها لا تملك لهم رزقاً فليعبدوا من يملك رزقهم، ثم أخبرهم بأنه مبلغ لا يستطيع هدايتهم إلا بإذن الله، ولفت أنظارهم إلى أن مصيرهم إن لم يستجيبوا للدعوة مصير أمثالهم فقد سبقهم على ذلك أمم ولحقهم من ربهم من النكال والعذاب ما لا يخفي عليهم، قال &#8211; تعالى &#8211; ((وإبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وتَخْلُقُونَ إفْكاً إنَّ الَذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ))[العنكبوت: 16-18].</p>
<p>&#8211; ولقد سلك إبراهيم في إقناع قومه مسلك المساءلة عن جدوى أصنامهم، هل تنفع أو تضر أو تسمع الدعاء، فما وجد إلا التبعية العمياء ((واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبْرَاهِيمَ * إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)) فما كان من إبراهيم إلا أن أعلن البراءة مما هم عليه، وأوضح سبب ذلك وسبب قصره العبادة على الله ((قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ… الآيات)) [الشعراء: 69 -80].</p>
<p>&#8211; وبدأ القوم يراوغون فيما عـرضـــــه عليهم إبراهيم إلا أنه ما كان من إبراهيم إلا إعلان النكير، وبيان الحق فعلاً لا قولاً فحسب ودخل بهذا مرحلة خطرة من مراحل إقناع القوم بعدم جدوى أصنامهم وفي هذا يقول الله &#8211; تعالى &#8211; ((ولَقَدْ آتَيْنَا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَـــوَاتِ والأَرْضِ الَـــذِي فَــطَــــرَهُنَّ وأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ))[للأنبياء: 51-56] ولم يكتف القوم بهذه المراوغة مع إبراهيم بل دعوه للخروج معهم إلي عيد من أعيادهم ولكنه اعتذر عن الخروج بتورية ((فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ))[الصافات: 88-90] وقــال عـنــد ذلـك ((وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)) فسمعها بعض القوم، وبادر إبراهيم ((فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَــلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)) لقد ورطهم إبراهيم في هذه الإجابة وهذا ما كان يريده لـيـنـدفع بكل قوة مخاطبا عقولهم إن كانت لهم عقول: ((قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) وهنا لم يجد القوم بدا من تدبير المؤامرة عليه والتخلص منه ((قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ * وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ)) [الأنبياء: 51-70].</p>
<p>أما عبادتهم للكواكب فقد سلك في دحض تعلقهم بها سبيل المناظرة وذلـك فـيمـا حكاه الله عنهم في سورة الأنعام، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في رسائل إبراهيم العملية.</p>
<p><span style="color: #0000ff;">المرحلة الثالثة:</span></p>
<p>دعوته للملك، حين ناظره في ربه وذلك فيما حكاه الله &#8211; تعالى &#8211; عنهم في سورة البقرة فقال: ((أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ:&#8230;)) وتفصيل ما وقع فيها آت بإذن الله في الوسائل، وهذه المناظرة كانت فيما يظهر بعد نجاة الخليل من النار كما ذكره السدي ويدل عليه: أن الـعـادة جارية بأن الأنبياء يبدأون بتكوين قـاعــدة شعبية حتى يكون للدعوة ثقل ثم يلتفـتون إلى القيادة ليدعوها، وأيضاً، فمن عادة خصوم الدعوة ملاحقة الداعية وإحراجه ليفـضح أمام الناس خصوصاً وأن إبراهيم بعد نجاته من الـنــار بمعـجـــزة التفتت إليه الأنـظــار وتعجب الناس من ربه الذي نجاه فبادر الملك إلى مناظرته ليوقعه في الحرج ظنا منه أن إبراهيم قد ينهزم في المناظرة، وما علم أنه المؤيد من عند الله وهو سيد المناظرين، ومنظرهم الأكبر، والمجادل عن حوزة التوحيد وحمى الملة بكل ألوان الجدل.</p>
<p>&#8211; ولا نستطيع الجزم بأن هـذه الـمـنـاظرة كانت بعد النجاة لكنه الذي يظهر من خلال ما تقدم من الأدلة والله أعلم.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong><span style="color: #000080;">أساليب إبراهيم في الدعوة</span></strong></h3>
<p><strong><span style="color: #008080;">أولاً: الأساليب النظرية :</span></strong></p>
<p><span style="color: #003366;">1 &#8211; تقرير توحيد الألوهية ببيان دلائل الربوبية:</span></p>
<p>جـمــيع دعــوات الرسل قائمة على تقرير توحيد الألوهية الذي من أجله خلق الله الثقلين ((ومَا خَلَقْتُ الـجِـنَّ والإنـسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ))، وهو الذي اختلف الناس فيه، ووقع لديهم بسببه زيغ عظيم، ولذلك أخـبـــرنا الله عن هدف بعث الرسل بقوله ((ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)).<br />
أما توحيد الربوبية: فأكثر الناس مـتـفـقون عليه، وهو الإقرار لله بالخلق والتدبير والملك ((ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَـيـَقـُولُنَّ اللَّهُ)) وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فالذي يستحق العبادة وحده هو الــذي يـخلق ويرزق، ويحي ويميت، وينفع ويدفع، ويملك ويدبر، وقد بيّن الأنبياء لأقوامهم هذا أتم بيان، ومنهم إبراهيم ((إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وتَـخْـلُـقُـونَ إفْـكـاً إنَّ الَذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْـكـُـرُوا لَـهُ إلَـيْـهِ تُرْجَعُونَ)) فبين أن الله هو الرزاق، فهو إذن المستحق للعبادة دون سواه ممن لا يملكون لأنـفـسـهـم &#8211; فـضـلاً عن غيرهم &#8211; رزقاً ولا نفعاً ولا ضراً، وقال: ((أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَـمـِـينَ * الَذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ&#8230;)) وأمثلة ذلك كثيرة.</p>
<p><span style="color: #003366;">2 &#8211; التصريح بقصد النصيحة</span> وأنه لا هدف للداعي إلا نفع المدعوين وأنه لا يريد على ذلك حظا من الدنيا:</p>
<p>إن إعـلان الـداعـيـة عـن هــذا للمدعوين من شأنه أن يلين قلوبهم، ويدعوهم إلى تأمل ما يُدعون إليه، ولقد درج على ذلك الأنبـيـاء جميعاً، فقال نوح: ((ويَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ..)) وقـال هــــود: ((يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الَذِي فَطَرَنِي)) وفي سورة الشعراء ذكــر الله: ((ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ)) ذكرها عن نوح وهود وصـالـح ولوط وشعيب، وقال محمد &#8211; صلى الله عليه وسلم -: ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْــرِيَ إلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).<br />
وحكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: ((يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْـمـَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ ولِياً)) فهـو لا يريد شيئاً من أبيه، وإنما يخاف عليه من عذاب الرحـمن، فـيـكـون ولـيــاً للـشيطان، وتأمل في العبارات التي نطق بها إبراهيم: (أخاف) و(يمسك) و(عذاب من الرحمن) تُلفها تعبر بصدق عما يكنه إبراهيم لأبيه.</p>
<p><span style="color: #003366;">3 &#8211; الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة:</span></p>
<p>وقد جاءت جلية في دعوته لأبيه وخطابه الرقيق الحاني المتدفق ليناً &#8211; وعطفاً ولطفاً، اتباعاً للحكمة التي تقرب المدعو من الدعوة وتلين قلبه للاستجابة.</p>
<p><span style="color: #003366;">4 &#8211; التشنيع على المعبودات الباطلة وعابديها:</span></p>
<p>لما بين إبراهيم لقومه دعوته، وألان لهم الخطــاب، لعنهم يستجيبون، وما زادهم ذلك إلا التمادي في باطلهم، فما كان من إبراهيم إلا أن أظهر تهافت معبوداتهم وأحنق النكير عليهم، فقال: ((مَا هَـذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِـي أَنـتُــــمْ لَهَا عَاكِفُونَ)) فسماها تماثيل ولم ينعتها بوصف (الألوهية)، ولمـا ظهر له أنهم لا يعتمدون فيما فعلوا على حجة وبرهان قال لهم: ((لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)) وزاد فقال: ((أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفـَــلا تَعْقِلُونَ)) ولقد برهن لهم على سفههم ما سوغ في تهكمه بتصرفاتهم حيث سألهم: ((هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)) فإن أقل ما يقال في هؤلاء المعبودين أنهم لا يسمعون كعابدين فكيف يجلبون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضراً؟</p>
<p><span style="color: #003366;">5 &#8211; التذكير بنعم الله على عباده:</span></p>
<p>جبلت النفوس على حب من أحسن إليها ولذلك عنىَ الدعاة إلى الله بتذكير الخلق إحسان الله إليهم ليكون ذلك أدعى إلى قبول الدعوة فهذا هود يقول: ((واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)). وقال صالح: ((واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) وأما إبراهيم فقال: ((أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ))</p>
<p><span style="color: #003366;">6 &#8211; التذكير بأيّام الله:</span></p>
<p>ما مـن أمــة تَخْلف في الأرض إلا وتنظر في أحوال من سلف من الأمم تتبع مواطن العبرة فيها، فتستفيد من الإيجابيات، وتحذر من السلبيات، وكان أنبياء الله يذكرون أممهم بأحوال الغابرين ممن كذبوا أو آمنوا، فيذكرونهم بعاقبتهم، وينذرونهم أن يحل بهم ما حل بمن كفر من أمم الأرض، لعلهم يتعظون أو يرتدعون، ولذا قال إبراهيم لقومه: ((وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ)) أي فـقــد كذبت أممٌ أنبياءهم فحل بهم ما تعلمون من العذاب، فإن فعلتم عوقبتم بمثل عقابهم، ومــــا على الرسول إلا البلاغ المبين.</p>
<p><span style="color: #003366;">7 &#8211; المناظرة والتدرج في إفحام الخصم:</span></p>
<p>قال ابن القيم في مناظرات إبراهيم: &#8221; وهو الذي فتح للأمة باب مناظرة المشركين وأهـــــل الباطل، وكسر حججهم، وقد ذكر الله مناظرته في القرآن مع إمام المعطلين، ومناظرته مع قومه المشركين، وكسر حجج الطائفتين بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم(1) &#8221; وسنذكر هنا مناظرتين وقعتا لإبراهيم، وذكرهما القرآن الكريم:</p>
<p><span style="color: #333399;">&#8211; الأولى: مناظرته لعبدة النجوم</span> قال الله &#8211; تعالى &#8211; ((وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفاً ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ * وحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَدْ هَدَانِ&#8230; الآية)) إلى قوله ((وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ))*<br />
لقد عني إبراهيم وإخوانه من الأنبياء بالتوحيد وإيضاحه، والاستدلال له أيما عناية، وسلك في سبيل بيان الحق، وتزييف الباطل كل وسيلة تؤدي إلى ذلك، ومنها هذه المناظرة التي قامت بينه وبين قومه لبيان حقيقة ما هم عليه من الضلال.<br />
فأنكر على أبيه اتخاذ الأصنام آلهة، ولما أشرك قومه معه شدد في إعلان النكير عليهم، وبين أن ما هم فيه ما هو إلا ضلال يبُين عن نفسه، وذلك ليثير عواطفهم، ويدفعهم إلى التفكير الجاد العميق فيما هم فيه، وكان إبراهيـم قد بصره الله بالدلائل الكونية الدالة على وحدانية الله &#8211; تعالى -، فآراه آياته في ملكوته، ليعلم حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به، ويقينا إلى يقينه.<br />
وأرشده إلى طريقة الاستدلال بها على المراد من العباد.<br />
ودخل إبراهيم مع قومه الصابئة الذين يعبدون النجوم، ويقيمون لها الهياكل في الأرض، دخل معهم في مناظرة لبيان بطلان ربوبية هذه الكواكب المعبودة، ولم يشأ أن يقرر التوحيد مباشرة. بل جعل دعوى قومه موضوع بحثه، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم كر عليها بالنقض والإبطال، وكشف عن وجه الحق، فحينما أظلم الليل ورأى النجم قال: هذا ربي فرضا وتقديرا، وقال: أهذا ربي، فلما غاب عن أعينهم علم أنه مسخر ليس أمره إليه، بل إلى مدبر حكيم يصرفه كيف شاء، ثم انتقل بهم في البحث إلى كوكب هو في أعينهم أضوأ وأكبر من الأول، وهو القمر، فلما رآه قال مثل مقالته الأولى، فلما ذهب عن أعينهم تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب، ويضرع العباد إليه في السراء والضراء، ثم انتقل بهم إلى معبود لهم آخر أكبر جرماً من السابقين فلما أفل، قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة مسخرة بتسخير خالقها.</p>
<p>فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة في نظرهم أرفع الكواكب السيارة وأنفعها قد قضت لوازمُها بانتقاء سمات الربوبية والألوهية عنها، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقاً في العبادة فما ســواهـــا من الكواكب أبعد من أن يكون لها حظ ما في الربوبية أو الألوهية، ولذا أعلن إبراهيم في ختام مناظرته براءته مما يزعمون من الشركاء، وأسلم وجهه لفاطر السماوات والأرض ومـبـــدعهما، دون شريك أو ظهير، وضمَّن إعلان النتيجة الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الألهية الحقة عن الشركاء في كلمة التوحيد، وبهذا يكون إبراهيم قد سنَّ للدعاة إلـى الله أسـلـوبــا متميزا في دعوة المنحرفين، وذلك بالتنزل معهم بالتسليم بأباطيلهم فرضاً، ثم يرتب عـلـيـهـا لوازمها الباطلة، وآثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقض والإبطال، فإن الدعوة إلى الحق &#8211; كما تكون بتزيينه، وذكر محاسنه &#8211; تكون بتشويه الباطل، وذكر مساويه ومخازيه (بتصرف من مقالة الشيخ عبد الرازق عفيفي في مجلة التوعية الإسلامية عدد 6، 7).</p>
<p>وقد اختلف المفسرون هل كان إبراهيم ناظراً أو كان منظراً * [والصحيح أن إبراهيم في هذا الموطن كان مناظرا لقومه لا ناظرا بنفسه ويدل على ذلك:</p>
<p>أ &#8211; قوله &#8211; تعالى -: ((ولَقَدْ آتَيْنَا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ)) والمراد بالقَبْلية ما كان قبل النبوة على الصحيح، وأي رشد آتاه الله إبراهيم إن لم يكن موحداً مؤمنا بالله.<br />
ب &#8211; قوله &#8211; تعالى -: ((ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ)) يقتضي نفي الشرك عن إبراهيم في كل مراحل عمره السابقة.<br />
جـ &#8211; أن الله ذكر هذه الحادثة بعد إنكاره على أبيه وقومه، مما يدل على المناظرة.<br />
د &#8211; أن الله &#8211; تعالى &#8211; ذكـــر القصة بعد أن ذكر منته على إبراهيم برؤية ملكوت السماوات والأرض ليكون من المؤمنين، ولذلك ذكر الفاء التعقيبية ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)).<br />
ه &#8211; أن الله ذكر فيها ((وحَاجَّهُ قَوْمُهُ)) مما يدل على قيام المناظرة بينه وبينهم.<br />
و &#8211; أن الله &#8211; تعالى &#8211; ذكر في خاتمتها ((وتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)) فقال (على قومه) ولم يقل (على نفسه). وبهذا القول قال كثير من علماء السلف والخلف وهو الذي تدل عليه الأدلة.<br />
<span style="color: #333399;">الثانية: مناظرته للملك</span> في قوله &#8211; تعالى &#8211; ((أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِـــنَ الـمـَغْرِبِ فَبُهِتَ الَذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ))[البقرة: 258].<br />
لقد جادل الملكُ إبراهيم في ربه، وفي ذكر الرب وإضافته إلى الضمير العائد على إبراهيم تشريف لإبراهيم وإشعار بأن الله سيتولاه وينصره.<br />
ولماذا يجادله؟ لأن الله آتاه الملك، فحـمـلـه كبره وبطره على طلب المخاصمة، ولم يكن بسبب إيثاره الحق وطلبه له.<br />
وكان الملك قد طلب من إبراهيم &#8211; عليه السلام &#8211; أن يقيم له الدليل على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: »ربي الذي يحيي ويميت« أي أن الدليل على وجوده هو: هذه المعجزة المتكررة الظاهرة المستترة، مـعـجــزة الحياة والموت، عندئذ قال الملك »أنا أحيي وأميت« فآتى برجلين استحقا القتل فأمضيه فـي أحدهما دون الآخر، فأكون قد أحييت الثاني، وأمت الأول، وهذه مكابرة صريحة، وعناد ظاهر، يعلمه كل ذي عقل، ولذلك ترك إبراهيم الخوض معه في مكابرته، وجاءه بواقعة لا يحير معها جوبا، قال: »فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب« أي إذا كنت قادراً على الإحياء والإماتــــة، وهما من صفات الرب، فيلزم أن يكون بمقدورك التصرف في الكون، وأن تأتي بالشمــس من المغرب، عندئذ بهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.</p>
<p>إن انتقال إبراهيم من دليل إلى آخر دون مناقشة لإجابة الملك الساذجة ليس عن هزيمة؛ لأن حجته كانت قائمة، إذ إبراهيم وكل عاقل يعلم أن المراد حقيقة الإحياء والإماتة، أما ما فعله الملك فأمر يقدر عليه كل أحد، حتى إبراهيم كان يمكن أن يقول له: إني أردت حقيقة الإحياء والإماتة، أما هذا فأنا أفعل مثله، ولكن إن قدرت على الإماتة والإحياء فأمت هذا الذي أطلقته من غير استخدام آلة وسبب، وأحي هذا الذي قتلته، فيظهر به بهت اللعين، إلا أن القوم لما كانوا أصحاب ظواهر، وكانوا لا يتأملون في حقائق المعاني خاف إبراهيم الاشتباه والالتباس عليهم، فضم إلى الحجة الأولى حجة ظاهرة، لا يكاد يقع فيها أدنى اشتباه.<br />
وهذا الانتقال من أحسن ما يكون، لأن المحاجج إذا تكلم بكلام يدق على سامعيه فهمه، ولجأ الخصم إلى الخداع والتلبيس جاز له أن يتحول إلى كلام يدركه السامعون، وأن يأتي بأوضح مما جاء به، ليثبت ما يريد إثباته، وهذا لأن الحجج مثل الأنوار، وضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج، وهذا لا يكون إلا دليلا على ضعف أحدهما أو بطلان أثره.</p>
<p><span style="color: #003366;">8 &#8211; استثارة الخصم:</span></p>
<p>والمقصود بذلك: تحريك نفوس المدعوين، وتنبيه عقولهم، ولفت أنظارهم إلى الأمر الذي يدعوهم إليه الداعية.<br />
لقد فعل إبراهيم ذلك حين ترك كبير الأصنام بلا هدم (فجعلهم حطاماً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون) وذلك من أجل أن تدور في أذهانهم الأسئلة التالية؟<br />
&#8211; من فعل هذا بآلهتنا؟<br />
&#8211; لِم لمْ يدافع الصنم الكبير عن صغاره؟ وهل كان ذلك عن عجز أو عدم إدراك لما يقع حوله؟<br />
&#8211; لِم لمْ يوقع الصنم. الكبير سوءاً بمن فعل ذلك؟<br />
ثم استشارهم مرة أخرى حينما جاؤا إليه يسألونه عمن أوقع ذلك بآلهتهم فقال:<br />
&#8211; بل فعله كبيرهم هذا، فنسكب التكسير إلى جماد لا يتحرك، ليقولوا له مباشرة: إنه لا يفعل شيئاً، وليقروا بضعف هذه الآلهة.<br />
&#8211; ولم يكتف بذلك، بل أمرهم أن يوجهوا إليها الأسئلة إن أخبرهم بمن أوقع بها ذلك، ولذلك أجابوا بكل سذاجة: &#8221; لقد علمت ما هؤلاء ينطقون &#8221; وعند ذلك انطلق مبادرا &#8221; أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون&#8221;.<br />
<strong><span style="text-decoration: underline; color: #008080;">ثانياً: الأساليب العملية:</span></strong></p>
<p>وهي كثيرة نختار منها:</p>
<p><span style="color: #008000;">1 &#8211; القدوة:</span></p>
<p>لقد كان إبراهيم مثالاً يحتذى في الخير، ولذلك وصفه الله بقوله ((إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)) أي جامعا للخير، كلفه الله بأمور فقام بها خير قيام ((وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)) وكان الجزاء: ((إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً)) فالسبب الذي أهله للإمامة إتمامه الكلمات التي ابتلاه ربه بها، ومن أجل ذلك أُمر نبينا &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; باتباع ملته (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وأُمرت هذه الأمة أن تأتسي بإبراهيم ومن معه، لكونهم قدوة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) والأمر الذي نهينا عن الإقتداء بإبراهيم فيه استغفاره لأبيه &#8221; إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شيء &#8221; وقد تقدم ذكر بعض من صفات هذا النبي الكريم وأساليبه وأعماله وما كان به قدوة للمصلحين من بعده (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه).</p>
<p><span style="color: #008000;">2 &#8211; البداءة بالأهم</span>:</p>
<p>بدأ إبراهيم بالدعوة إلى توحيد العبادة، وهو أهم ما يدعي إليه، وأول ما يبدأ به (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).</p>
<p><span style="color: #008000;">3 &#8211; اللين والشدة:</span></p>
<p>وهذا ظهر جليا في دعوته لأبيه، وفي دعوته لقومه، فقد دعا كلا منهم باللين والاستعطاف، لعل كلامه يتخلل قلوبهم، ولينه يعطف أفئدتهم لقبول الحق الذي جاء به، ولكن ما زادهم إلا عتوا، فما كان منه إلا أن أغلظ لهم القول، وشدد اللهجة، ففي اللين قال: ((يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً)) وفي الشدة قال: ((وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)).</p>
<p><span style="color: #008000;">4- البراءة والمعاداة:</span></p>
<p>التي تعني البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم، وهي أصل من أصول العقيدة ومن مستلزمات (لا اله إلا الله). قال رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم -: »أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله« ومفاصلة خصوم الدعوة ارتفاع بالنفس والعقيدة إلى المستوى اللائق بهما، فلا يستوي حزب الله الذى كتب الله له العزة والكرامة وحزب الشيطان الذي كتب الله له الذلة والهوان، وفيها إشعار لأولئك الخصوم بأنهم على باطل، وأن الأمر ما وصل بالداعية إلى المقاطعة إلا لحق يعتنقه ويدعو إليه، فيكون ذلك ردعا لهم عما هم فيه. وفيها قطع لآمال أعداء الدعوة في الحصول على تنازلات من الدعاة، يستدرجونهم بها.</p>
<p>وقد قال إبراهيم لأبيه حين استنكف واستكبر: (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي&#8230;) وجعله الله في براءته من المشركين قدوة، فقال: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ومَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ)). وقد اشتملت هذه الآية على أمور نوجزها فيما يلي: &#8211;</p>
<p>&#8211; أن البراءة قائمة على الإيمان بالله فمن كان مؤمنا بالله أحب في الله.<br />
&#8211; أنها نهج الأنبياء، فمن أراد النجاة فليلحق بركابهم، ويستن بهديهم.<br />
&#8211; أن البراءة ليست من أشخاصهم فحسب، بل ومن آلهتهم، وأفكارهم، ومذاهبهم.<br />
&#8211; أنها مستمرة علنية، وليست مجرد شعور قلبي إلا عند الضرورة.<br />
&#8211; أنها مما اتفقت عليه الشرائع، وليست لهذه الأمة الخاتمة فحسب.<br />
&#8211; أن دعامتها التوكل على الله والدعاء كما ذكر في ختام الآية ((ربنا لجيك رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ)).<br />
&#8211; أنه لا فرق في البراء بين قريب أو بعيد مادام قد وحد بينهم كفر أو شرك.</p>
<p><span style="color: #008000;">5 &#8211; الدعاء والتضرع:</span></p>
<p>وهو السلاح الذي لا يحق للمؤمن أن يسير في ركاب الحياة بدونه، وقـد امـتـدح الله خليله بدعائه فقال: ((إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)) وقد تقدم معنى (الأواه)، ولــــذا تل أن نجد موطنا تذكر فيه دعوة إبراهيم إلا ويذكر معها جانب من تضرعه ودعائه ومن ذلك: ((رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً&#8230;))، ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ))، ((وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))، ((واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))، ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وتَقَبَّلْ دُعَاءِ))، ((رَبَّنَا اغْفِرْ لِي ولِوَالِدَيَّ&#8230;))، ((رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ&#8230;)). إلى آخر ما هناك من الدعوات المباركات، التي تضرّع بها إبراهيم، وخلدها القرآن، فكان قدوة في اللجوء إلى الدعاء.</p>
<p><span style="color: #008000;">6 &#8211; تحطيمه للأصــنـــام: </span></p>
<p>لم يكتفي إبراهيم في دعوته بالكلمة والحجة التي أبطل بها حجج الخصوم، بل عضد ذلك بعمل كبير، أقدم عليه بشجاعة وعلو همة، وهو تحطيم الأصنام التي تعلق بها قومه، حتى صرفهم تعلقهم بها عن التفكير في حقيقتها، والنظر في ماهيتها، فأراد إبراهيم أن يبين عن ذلك بالقول والفعل فكان بيانه القولي الذي شرحنا طرفا منه فيما تقدم، وكـــــان بيانه الفعلي بما أقدم عليه من تحطيم الأصنام، وجعلها جذاذاً ((إلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ)). والآية هذه تشير إلى مدي البيان الذي أراد إبراهيم إبلاغه لقومه، فلم تأخذه فورة التكسير بتحطيمها كلها، بل ترك كبيرها لا لعجز ولا لخوف بل لعلهم إليه يرجـعــــون، فيحقق إبراهيم غرضه من هذا الأسلوب الدعوي الرائع، وفعلاً لقد كان ما أراده إبـراهـيـــم حين قالوا: ((لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)) وحينها انقض عليهم كالشهاب: ((أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) وتحقق لإبراهيم مراده حين قالوا: ((قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)) فالآلهة تحتاج إلى من ينصرها، ويدافع عنها، وتحقق له كذلك حين (رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) ولكنه التعصب الذي ردهم على أعقابهم ((ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)).</p>
<p><span style="color: #008000;">7 &#8211; الهجرة:</span></p>
<p>ذكر الله &#8211; تعالى &#8211; هجرة الخليل في ثلاثة مواطن فقال: ((ونَجَّيْنَاهُ ولُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)) ((وقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)).</p>
<p>فهو أول من هاجر لله &#8211; كما ذكره بعض المحققين &#8211; وكانت سنة لمن بعده من الأنبياء وأتباعهم، وممن عمل بها محمد رسول الله &#8211; صلى الله عليه وسلم &#8211; وصحبه، فكانت هذه من ثمرات تلك التجربة الإبراهيمية ولونا من الإقتداء به.<br />
إن الهجرة أسلوب يلجأ الدعاة إليه لأن أرضهم ما عادت تقبل الكلمة الطيبة، فهم يبحثون عن أرض طيبة تحمل دعوتهم، أو لأن القوم المعرضين بدأوا يناوشون الداعية، ويوصلون الأذى إليه فهو يفر بدينه من الفتن ((ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وسَعَةً)).</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>باع ابنته من الجوع</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d8%a8%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d8%a8%d9%86%d8%aa%d9%87-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%b9/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d8%a8%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d8%a8%d9%86%d8%aa%d9%87-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%b9/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 20:19:37 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=334</guid>
		<description><![CDATA[&#160; حدثني شيخنا د/ يحيى بن إبراهيم اليحيى عن رجل يعرفه قال: رأيت رجلاً من جيراننا يوماً بعد صلاة العصر يقف عند صندوق القمامة ثم مدّ يده وأخذ شيئاً وأدخله بيته، قال : ففزعت لِما رأيت بجاري وقلت لعله محتاج وأنا لا أعلم، فعزمت على زيارته والتعرف على حاله وسؤاله عما رأيت منه. ولما زرته...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>حدثني شيخنا<span style="color: rgb(0, 0, 128);"> د/ يحيى بن إبراهيم اليحيى</span> عن رجل يعرفه</p>
<p>قال: رأيت رجلاً من جيراننا يوماً بعد صلاة العصر يقف عند صندوق القمامة ثم مدّ يده وأخذ شيئاً وأدخله بيته، قال : ففزعت لِما رأيت بجاري وقلت لعله محتاج وأنا لا أعلم، فعزمت على زيارته والتعرف على حاله وسؤاله عما رأيت منه.</p>
<p>ولما زرته رحب بي ورأيت منه حالاً حسنة وغنى ظاهراً فسألته عما شاهدته، فقال : لقد رأيت طعاماً في القمامة صالحاً للأكل فتأثرت لرميه وآثرت أن آخذه وأكرمه عن أن يوضع في هذا المكان المهين.</p>
<p>ثم قال: لقد مر بي من الجوع شيء عظيم لا طاقة لأحد به وعاهدت الله على أن لا أرى طعاماً إلا أكرمته، وأن لا أترفع على طعام مهما كان حاله، واسمع قصتي:</p>
<p>مرت بي سنة وأنا بمكة أصابني فيها فقر عظيم ولم يكن عندي حينها عمل وكانت لي زوجة وابنة، وكنت أخرج من الصباح أبحث عمن يؤجرني أو يستعملني أو يعطيني شيئاً فلا أجد فآوي إلى بيتي وليس بيدي شيء فأجد زوجتي وابنتي ينتظران قدومي لعهما يجدان بيدي شيئا يرفع عنهما ألم الجوع، ومرت بنا ثلاثة أيام لم يدخل أجوافنا شيء، ففكرت في أمري فانقدح في ذهني أمر لا يخطر ببال حر ألبتة ، ثم لم ألبث أن فاتحت به زوجتي، قلت لها: حتى متى نبقى ونحن ننتظر الموت !!. والجوع قد أقضّ مضاجعنا وأرهق أبداننا وهذه ابنتنا أقلّ منا صبراً، فإن رأيت أن تزينيها وتمشطيها وأذهب بها إلى سوق العبيد فأبيعها فأجد بثمنها طعاماً وتجد قوماً يطعمونها فتبقى حية ونسلم جميعاً من الموت الذي بدأ يحاصرنا. فأنكرت عليّ وخوفتني بالله، فما زلت بها أجادلها حتى رضخت ورضيت، وجهزتها لي فأخذتها وذهبت بها إلى السوق. فمر بنا رجل من البادية فنظر إليها فأعجبته واسترخص ثمنها ، ثم ساومني عليها فتراضينا على <span style="color: #333333;">اثني عشر ريالاً من الفضة.</span></p>
<p>عندما أخذت الدراهم عدوت مسرعاً إلى سوق التمور أشتري زنبيلاً من التمر نملأ به بطوننا ، فاشتريت زنبيلاً بريالين، وطلبت من الحمّال أن يتبعني به فليس بي طاقة على حمله من شدة الجهد وألم الجوع، فسبقته، فلما وصلت بيتي التفت فلم أجد الحمّال خلفي فرجعت أبحث عنه فلم أجده، فقلت : أرجع إلى السوق فأشتري بدله آخر وأبحث عن الحمّال في وقت سعة. فلما أردّتُ أن أنقد ثمن التمر لم أجد في جيبي شيئاً، فأصابني من الهمّ والغمّ ما لو نزل بجبل لهدّهُ. فعزمت على الذهاب للحرم ، فلما دخلت المطاف وجدت البدوي يطوف ومعه ابنتي، فوقع في نفسي أن أتربص به حتى إذا خرج من مكة عدوت عليه في إحدى شعابها فقتلته وخلّصتُ ابنتي، فبينما أنا أطوف إذ رمقني ووقعت عينه على عيني فلما انتهى صلى خلف المقام وصليت، ثم التفت إليّ ودعاني فقال:</p>
<p>من هذه البنت التي بعتنيها ؟</p>
<p>قلت: جارية عندي!</p>
<p>قال: بل هي ابنتك، سألتها فقالت : هذا أبي. فما حملك على ما صنعت؟</p>
<p>قلت: والله لقد مرّ بي وبها وبأُمِّها ثلاثة أيامٍ لم نذق فيها طعاماً وقد خشينا الموت فقلت أبيعها لعل الله أن ينقذنا بها وينقذها بك. ثم أخبرته بخبر ثمنها وأني فقدته ولم أنتفع منه بشيء.</p>
<p>قال : خذ ابنتك ولا تعد لمثل هذا ، وأخرج صرة فيها ثلاثون ريالاً فقال: هذه بيني وبينك ، فقسمها نصفين ثم دفع إلي نصيبي .</p>
<p>ففرحت فرحاً عظيماً وشكرته ودعوت الله له وحمدت الله على فضله، وأخذت ابنتي وذهبت إلى سوق التمر لأشتري تمراً لي ولابنتي وزوجتي. ففوجئت بالحمّال الذي حمل التمر لي ، فصرخت فيه : أين كنت ؟ فقال : يا عم لقد أسرعتَ في مسيرك حتى عَمِيَ عليّ طريقك وطفقت أبحث عنك فلم أجدك فرجعت إلى السوق لعليّ أعثر عليك ، والحمد لله أني وجدتك.</p>
<p>قال: فقلت له : اِلحق بي، فلما دخلنا البيت وأراد أن يفرغ التمر في إناء عندنا إذا بالدراهم العشرة التي فقدتها في أسفل الزنبيل. فحمدت الله وشكرته على فضله وعلمت أن الفرج يأتي بعد الكرب وأن مع العسر يسراً.</p>
<p>وعاهدتُّ ربي أن أشكر نعمته وأن أُجِلَّ رزقه وأن لا أحقر طعاماً أو أرميه أو أدعه منبوذاً مع القمامة والقاذورات والله المستعان</p>
<p><span style="color: #008080;">فهذا خبري فهل أُلام على ما فعلت ؟!!</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p style="text-align: left;">كتبه : محمد بن عبد العزيز الخضيري</p>
<p style="text-align: left;">16/9/1433</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d8%a8%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d8%a8%d9%86%d8%aa%d9%87-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أم بعد الخمسين</title>
		<link>https://alkhaderi.com/%d8%a3%d9%85-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b3%d9%8a%d9%86/</link>
		<comments>https://alkhaderi.com/%d8%a3%d9%85-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b3%d9%8a%d9%86/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 25 Aug 2014 20:11:15 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[m.alkhaderi]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://alkhaderi.com/?p=330</guid>
		<description><![CDATA[&#160; حدثني الشيخ المقرئ سعيد متولي أحد شيوخ الإقراء بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض رحمه الله وتقبله في الشهداء ـ والذي وافته المنية على إثر حادث دهس بحي السلام في مدينة الرياض ـ . قال: كان في قريتنا بمصر رجل بقي مع امرأته دهرا لم يرزقا بذرية . فقالت امرأته لما قاربت الخامسة والثلاثين...]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>حدثني الشيخ المقرئ<span style="color: rgb(51, 51, 153);"> سعيد متولي</span> أحد شيوخ الإقراء بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض رحمه الله وتقبله في الشهداء ـ والذي وافته المنية على إثر حادث دهس بحي السلام في مدينة الرياض ـ .</p>
<p>قال: كان في قريتنا بمصر رجل بقي مع امرأته دهرا لم يرزقا بذرية .</p>
<p>فقالت امرأته لما قاربت الخامسة والثلاثين : لو أنك يافلان تزوجت لعل الله يرزقك بذرية ينفعنا الله بها ونستمتع بها مابقينا . فتأبَى وتمنَع وأخبرها بأنه لا يحب أن يؤذيها بضرة ، لكنها ألحت عليه ، بل سعت فخطبت فتاة رضيتها له وتمت الأمور، وأنجبت الثانية، فجاءت بابن فرح به الجميع، لكن الجشع بدأ يستبد بالثانية فصارت تراود زوجها في طلاق الأولى، وتزهده فيها، وهو لها محب وبها راغب، وأخبرها أنه لا ينسى حسن عشرتها، ولا طيب نيتها، واحتدم الأمر بين الزوجين حتى آل إلى طلاق الثانية ، وصار الابن من نصيب الأولى، ففرحت به وربته وأحسنت تربيته، فلما بلغ الخامسة عشرة ألحت على أبيه أن يزوجه حتى تحظى وزوجها برؤية أحفادهما قبل موتهما، وكانت على مشارف الخمسين، واقتنع الأب، فقامت بتزويجه من ابنة أخيها أو أختها، وسكن العروسان معهما، وفي العام الأول حملت زوجة الابن وأنجبت .</p>
<p>قال الشيخ : فكأن هذه المرأة الكبيرة أصابتها غيرة أو دعت ربها، فحملت هي أيضا وعمرها خمسون سنة أو إحدى وخمسون. ثم تتابع حملها حتى أنجبت خمسة أبناء في خمس سنين، قال: فكنا نعجب من أم ما عرفت الحمل والإنجاب إلا بعد الخمسين، <strong style="color: rgb(51, 51, 153);">فلا تيأسوا معاشر المسلمين من فضل رب العالمين.</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>https://alkhaderi.com/%d8%a3%d9%85-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b3%d9%8a%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
